قمة ترامب_بوتين: أوروبا أمام سباق تسلح تاريخي!
ترجمة – نبض الشام
تكشف قمة ترامب_بوتين عن مرحلة جديدة في ميزان القوى العالمي، حيث تواجه أوروبا واقعاً استراتيجياً صعباً يفرض عليها تسريع إعادة تسليح نفسها. فمع تصاعد حرب أوكرانيا وتراجع الضمانات الأمريكية، باتت القارة أمام تحديات اقتصادية وأمنية معقدة، تفرض قرارات مصيرية حول مستقبل دفاعها المشترك.
لقاء ترامب مع القادة الأوروبيين
خلال الأشهر الثمانية الماضية، أُعطي اهتمام كبير للطريقة التي يستعد بها قادة أوروبا للتعامل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ومن منظور أوروبي، كان هناك ما يشبه الدوامة بين الرابحين والخاسرين في هذه التفاعلات.
خذ على سبيل المثال تقريراً في صحيفة وول ستريت جورنال حول براعة الرئيس الفنلندي ألكسندر ستاب في لعبة الغولف وكيف كانت هذه المهارة مفتاحاً لعلاقته مع ترامب. أما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، فربما استمتع بالعنوان الذي تصدر يوم الإثنين والذي أشار إلى أنه يأمل في “استغلال علاقته الغريبة” مع الرئيس الأمريكي لصالح أوكرانيا.
يبدو أن ترامب يستمتع بكل هذا. فمنذ ولايته الأولى والمصافحة الشهيرة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يرى ترامب لقاءاته مع القادة الأوروبيين كنوع من العروض المسرحية. وفي بداية هذا الأسبوع، تفاخر بأن اجتماع البيت الأبيض يوم الإثنين بشأن أوكرانيا يمثل “يوماً تاريخياً”، وكتب قائلاً: “لم يجتمع هذا العدد الكبير من القادة الأوروبيين في وقت واحد من قبل. إنه شرف عظيم لي أن أستضيفهم!!!”
لكن إذا ابتعدنا عن هذه العروض الموجهة، فالحقيقة أن ترامب والنخبة السياسية الأمريكية الجديدة ينظرون إلى الأوروبيين ككتلة واحدة، وليس كأفراد كما تُظهر التقارير الإخبارية.
انعطافة حاسمة في حرب أوكرانيا
يبدو أن الحرب في أوكرانيا قد وصلت إلى لحظة الحقيقة. فبعد تخليه عن مطلب وقف إطلاق النار كمدخل لمحادثات السلام خلال قمته في ألاسكا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وضع ترامب الأساس لكيفية إمكانية انتهاء الصراع. بالنسبة للأوروبيين، يعني هذا أن النهج القائم على الصفقات في السياسة الخارجية الأمريكية أصبح حقيقة لا يمكن تجاهلها، ولا حتى التخفيف من حدتها عبر قمم استعراضية كتلك التي شهدناها في الأشهر الماضية.
سباق التسلح الأوروبي
الآن، على القادة الأوروبيين المضي قدماً في تنفيذ التحول الجيلي الذي وعدوا به بشأن الدفاع المشترك. وهذا يعني أن جميع الدول مطالبة بمواكبة مستوى الإنفاق الدفاعي الذي تعهدت به ألمانيا.
فقد وصل المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى البيت الأبيض ،يوم الإثنين، بعد أن تعهد بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029.
كما يعني ذلك أن على القادة أن يكونوا أكثر حسماً في قراراتهم المتعلقة بشراء المعدات الدفاعية بين الدولار واليورو، أي بين الصناعة الأمريكية والأوروبية. وببساطة، فإن أوروبا بحاجة إلى شراء المزيد من صناعتها الدفاعية المحلية كخيار استراتيجي طويل الأمد.
خيار جيلي ودفاع مدني
هناك جانب ثالث لا يقل أهمية: يجب على الأوروبيين أن يُظهروا استعدادهم للمشاركة في تحمل مسؤولية الدفاع عن أنفسهم. ولهذا أصفه بأنه خيار جيلي، لأن مستوى الإنفاق الدفاعي يجب أن يعود إلى المستويات التي شهدتها فترة الحرب الباردة. كما يجب على السكان أن يُعبَّأوا في أدوار جديدة تتعلق بالدفاع المدني والأمن القومي، بطرق أوسع وأكثر شمولية من السابق.
تأثير الحرب على مستقبل أوروبا
لقد غيرت حرب أوكرانيا بالفعل مسار القصة الأوروبية. فالعقد الذي بدأ مع جائحة كوفيد-19 شهد تعطّل النمو والازدهار نتيجة الانفصال الاقتصادي عن روسيا. ولم يقتصر الأمر على ارتفاع تكاليف المعيشة بسبب صدمة الموارد بعد اندلاع الحرب، بل أصبح مستقبل القارة محصوراً بين خيارين صعبين: الرفاه الاجتماعي أو سباق التسلح، مع غياب أي مؤشرات واضحة على تعافٍ اقتصادي قريب.
أزمة اقتصادية ممتدة
وليس الأمر مقتصراً على أوكرانيا بوصفها دولة على خط المواجهة؛ فدول البلطيق والدول الاسكندنافية تتبنى نفس العقلية الدفاعية. كما أُنشئت تحالفات جديدة، مثل قوة الانتشار المشتركة التي تضم عشر دول، وتمتد من آيسلندا مروراً بالمملكة المتحدة وصولاً إلى تلك الدول الشمالية على خط المواجهة.
ثغرات في العقلية الأمنية الأوروبية
تتجه معظم الدول الأوروبية إلى زيادة الإنفاق الحكومي، لكن الإصلاحات في العقلية الأمنية لم تصل بعد إلى مستوى التحديات التي تواجه القارة. فقد أشار الجنرال البريطاني المتقاعد ريتشارد بارونز الأسبوع الماضي إلى أنه رغم أن أحداً لا يتحدث عن غزو روسي للمملكة المتحدة كاحتمال واقعي، إلا أنه تساءل عن مدى جاهزية أوروبا لمواجهة تهديدات شاملة تشمل تعزيز الأمن الرقمي في عصر المعلومات.
من الواضح أن تعبئة المجتمع لمواجهة هذه التحديات أمر حيوي بقدر أهمية بناء دفاعات عسكرية قوية في فنلندا أو غيرها.
الاعتماد المستمر على المظلة الأمريكية
في الوقت الراهن، يسعى الأوروبيون إلى الحصول على أكبر قدر ممكن من الدعم الأمني من الولايات المتحدة. ولهذا ضم اجتماع البيت الأبيض يوم الإثنين إلى جانب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، كلاً من كير ستارمر وإيمانويل ماكرون وفريدريش ميرتس وألكسندر ستاب، بالإضافة إلى رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.
لكن سيكون من السذاجة تجاهل المؤشرات الواضحة على أن واشنطن تعيد النظر في التزاماتها الأمنية تجاه أوروبا. فبعد تسريب محادثة عبر تطبيق “سيغنال” بين قادة أمريكيين أثناء مواجهة واشنطن مع الحوثيين في اليمن، ظهر نائب الرئيس جي دي فانس وهو يتساءل عن سبب “إنقاذ الولايات المتحدة للأمن الأوروبي”. وسرعان ما تم تقليص التدخل الأمريكي عبر البحر الأحمر.
التصنيع الدفاعي الأوروبي
لطالما جادلت فرنسا بأن ثلثي عملية بناء القوة العسكرية الأوروبية المستقبلية يجب أن تتم داخل القارة. ويرجع ذلك إلى أن الاعتماد على الولايات المتحدة ينطوي على مخاطر، أبرزها فترات التسليم الطويلة وتراجع أولوية إعادة بناء المخزونات الأوروبية في مجالات مثل الذخيرة. ومع ذلك، تدفع بعض الدول الأوروبية باتجاه الحصول على المعدات الأمريكية المتطورة، وهو ما يعطل إعادة هيكلة الصناعات الدفاعية الأوروبية على المدى الطويل.
سؤال الحسم: هل يكفي الإنفاق؟
ورغم تدفق الطلبات وزيادة ميزانيات الدفاع، لا تزال هناك شكوك كبيرة حول كفاية هذه الجهود. فالمسألة لا تتعلق فقط بسرعة تنفيذ الالتزامات المالية، بل أيضاً بقدرة أوروبا على تحقيق قوة دفاعية كافية بالسرعة المطلوبة. والإجابة عن هذا السؤال بالتأكيد لن تُحسم في زيارة هذا الأسبوع إلى واشنطن.
أوروبا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي بين الاعتماد المستمر على المظلة الأمريكية أو بناء قوة دفاعية مستقلة قادرة على مواجهة التهديدات المعقدة. ومع استمرار حرب أوكرانيا وضغوط الاقتصاد، فإن خيارات القارة في السنوات القادمة ستحدد ملامح أمنها واستقرارها لعقود مقبلة.




