فرنسا والجزائر: شـراكة معلنة وصراع خفي
خاص – نبض الشام
لم تكن العلاقات الجزائرية – الفرنسية في يوم من الأيام مستقرة على نحو كامل، لكنها في الأشهر الأخيرة دخلت منعطفاً بالغ الحساسية، بعدما تحوّل ملف التأشيرات إلى عنوان أزمة جديدة بين البلدين. فمنذ أن أعلنت باريس تقليص منح التأشيرات للجزائريين، وما تلا ذلك من ردود متبادلة، تصاعدت حدة الخلافات بشكل غير مسبوق، لتكشف عن تناقض صارخ بين خطاب الشراكة وممارسات التوتر.
جذور التوتر وتراكماته
أزمة التأشيرات لم تظهر من فراغ، بل جاءت في سياق تراكمات تاريخية وسياسية ظلت عالقة بين الطرفين. فمنذ سنوات، ظلت الجزائر تعتبر أن فرنسا تتعامل معها بمنطق فوقي، بينما ترى باريس أن الجزائر تمارس سياسة متشددة في ملفات الهجرة والدبلوماسية. هذا التباين تحول سريعاً إلى سلسلة إجراءات متبادلة، أبرزها رفض الجزائر اعتماد موظفين فرنسيين رداً على رفض باريس اعتماد دبلوماسيين جزائريين لسنوات، الأمر الذي كشف هشاشة الثقة بين الجانبين.
شراكة وتضييق
المفارقة الأساسية تكمن في التناقض بين الخطاب الرسمي الفرنسي الذي يشدد على “أهمية الشراكة الاستراتيجية” مع الجزائر، وبين الإجراءات العملية التي تعكس تضييقاً وتشدداً غير مسبوقين.
قرار تقليص التأشيرات مثّل بالنسبة للجزائريين محاولة ابتزاز سياسي، فيما رأت باريس أنه رد على “تدهور العلاقات الثنائية”. أما الجزائر، فواجهت هذه السياسة بمعاملة بالمثل، معتبرة أنها تدافع عن سيادتها في وجه ما وصفته بممارسات تمس الأعراف الدبلوماسية.
محطات التصعيد المتتالية
التوتر لم يقتصر على ملف التأشيرات، بل امتد إلى مجالات أخرى عكست انعدام الثقة. ففي تموز/يوليو الماضي، منعت السلطات الفرنسية موظفي السفارة الجزائرية من دخول مناطق مخصّصة بالمطارات لاستلام الحقائب الدبلوماسية، لترد الجزائر بسحب امتيازات كانت تتمتع بها السفارة الفرنسية في موانئها ومطاراتها.
كما أثار قرار باريس تعليق اتفاق عام 2013 الخاص بإعفاء الجوازات الدبلوماسية من التأشيرات غضب الجزائر، التي سارعت إلى وقف التصرف المجاني بعقاراتها الممنوحة للسفارة الفرنسية. هذه المحطات مجتمعة عكست مساراً متصاعداً من الإجراءات العقابية المتبادلة، وكشفت أن الأزمة لم تعد تقنية أو إدارية، بل سياسية بامتياز.
قطيعة أم مخارج؟
أمام هذا المشهد، تتعدد القراءات حول المستقبل. فبينما يرى البعض أن البلدين يقتربان من قطيعة دبلوماسية رسمية، يعتبر آخرون أن المصالح الاقتصادية والإنسانية المشتركة تحول دون بلوغ هذا السيناريو أقصى مداه. ومع ذلك، فإن مناخ انعدام الثقة السائد يجعل أي محاولة لإعادة جسور الحوار صعبة ومعقدة، ما لم يتخل الطرفان عن منطق المساومة والرد بالمثل، ويتجها نحو معالجة جذرية لأسباب التوتر.
التناقض في العلاقات الجزائرية – الفرنسية اليوم ليس مجرد خلاف عابر حول التأشيرات، بل هو انعكاس لتاريخ طويل من الشد والجذب لم ينجح الطرفان في تجاوزه. وبين خطاب يرفع شعار الصداقة والتعاون، وممارسات تترجم توتراً وصراع مصالح، يقف البلدان أمام مفترق طرق: إما الانزلاق نحو قطيعة معلنة، أو العودة إلى طاولة حوار جاد يضع أسس شراكة أكثر صدقاً وتوازناً.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




