ترجمات نبضتقاريرنبض الساعةهيدلاينز

غزة تُخنق… وإسرائيل تسعى لإسكات الشهود

مقال لـ جوناثان ويتال

ترجمة – نبض الشام

بصفتي مسؤولاً رفيعاً في الإغاثة، شهدت أفظع وجوه الحرب في غزة: مستشفيات مدمّرة، مقابر جماعية، وجثث تلتهمها الكلاب في الشوارع (ومن ثم جاء الرد بإجراءات تهدف إلى إسكاتنا). بعد حديثي العلني عن ما يحدث، أُبلغت أن تأشيرتي لن تُجدَّد، في مؤشر على نمط أوسع من القمع المؤسسي ضد من يوثّقون الكارثة. وفي ظل حصار دام 22 شهراً، تستمر المجاعة وانهيار الخدمات رغم أوامر محكمة العدل الدولية ونداءات العاملين الإنسانيين.

ثمن الكلام
بعد مؤتمر صحفي عقدته في غزة في 22 يونيو، وصفت كيف يُطلق الرصاص على مدنيين يتضورون جوعاً أثناء محاولتهم الوصول إلى الطعام ووصفت الوضع بأنه “ظروفٌ خُلقت لتقتل”. ردت السلطات الإسرائيلية بإعلان عبر منصة “إكس” من وزير الخارجية بعدم تجديد تأشيرتي، ثم تصريحات رسمية في مجلس الأمن تُلزمني بالمغادرة بحلول يوليو.

قمع مؤسسي
الاستهداف ليس حالة معزولة: منظمات إغاثة دولية تواجه قيود تسجيل متشددة تشمل حظر توجيه انتقادات محددة لإسرائيل؛ منظمات فلسطينية حُرمت الموارد؛ ووكالات الأمم المتحدة تُمنح تأشيرات قصيرة (ستة أشهر، ثلاثة، أو شهر) وفق تصنيف مصطنع. الأونروا معرضة للتشريعات وتُمنع فرقها الدولية من الدخول، وتتعرض عمليات الإغاثة لخنق تدريجي.

الضفة
الانتهاكات في الضفة الغربية تختلف في الشكل لكنها تخدم هدفاً واحداً: تقويض التواصل الجغرافي ودفع الفلسطينيين إلى جيوب محصورة. توسّع المستوطنات، هدم المنازل، عنف المستوطنين وقيود الحركة يجبرون السكان على الانسحاب والتقوقع داخل مناطق حضرية معزولة تتزايد فيها عمليات الجيش.

التفتيت
غزة محصورة: 2.1 مليون شخص في 12% فقط من مساحة القطاع. في 13 أكتوبر 2023 صدرت أوامر تهجير قسري لشمال غزة، وتكررت موجات التهجير مراراً، دون مأوىٍ كافٍ أو طعام أو أمان. ما شاهدته يشير إلى عملية منهجية لتفكيك وسائل بقاء السكان.

العراقيل
كمَنظمي عمليات إنسانية، نقلنا مرضى من غرف عناية مركزة مظلمة غزتها القطط، في مستشفيات دُمر بعضها وسيطرت عليها القوات الإسرائيلية، حيث دُفنت جثث في الساحات الخارجية.
اكتشفنا مقابر جماعية، وشاهدنا عائلات تبحث بين الملابس المبعثرة عن أحبائها. تجادلنا مع جنود حول إخراج مريض مصاب في النخاع الشوكي من سيارة إسعاف قسراً، وأعدنا جثامين عاملين إنسانيين استهدفتهم طائرات مسيّرة ومدافع.
رأينا مسعفين يُقتلون وتُسحق تحت سيارات إسعاف، ملاجئ نازحين تُقصف، وجثثاً تنهشها الكلاب، وفرق إنقاذ تُمنع من الوصول لمنع بقاء أحد على قيد الحياة.

في عمليات توصيل المساعدات، عرقلتنا مسارات واشتراطات غير ضرورية فصارت القوافل تستغرق ساعات طويلة. في قافلة إلى معبر كرم أبو سالم، رافقنا شاحنات فارغة لمسار معقّد، وعند الضوء الأخضر اندفع الناس عليها، ورأينا أول جثة أُطلقت عليها النار من الخلف من جهة القوات الإسرائيلية.
بقي باب المعبر مغلقاً لساعات، واستغرقت الرحلة 15 ساعة. في قوافل أخرى، تأخرت عودة الشاحنات ثم أُطلق النار على الحشود، ونهبت مساعدات من عصابات تعمل تحت أنظار القوات. المساعدات ضرورية لكنّها ليست علاجاً لنِدرة صُنعت عمداً.

القضاء
موقف محكمة العدل الدولية كان واضحاً: التدابير المؤقتة الملزمة لم تأمر إسرائيل فقط بمنع الأفعال المحظورة بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية، بل طالبت بتمكين الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية وزيادة المعابر. وفي رأي استشاري منفصل، لم تترك المحكمة مجالاً للشك في أن استمرار احتلال غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، يُعد غير قانوني بموجب القانون الدولي.

ما يحدث في غزة ليس حادثاً معقّداً غير مفهوم، بل نتيجة قرارات سياسية متعمدة من من يصنعون الظروف ومن يمكّنونهم. إن تأجيل إنهاء الاحتلال، وتآكل مصداقية النظام الدولي عبر معايير مزدوجة وإفلات من العقاب، يحوّل القانون الدولي إلى أداة انتقائية لا تحمي أحداً.
غزة تغرق اليوم تحت القنابل والجوع والحصار، وكل تأخير في تطبيق أبسط قواعد حماية الحياة (هو يد إضافية تضغطها حتى تكاد تختنق).

جوناثان ويتال رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في الأرض الفلسطينية المحتلة.

المصدر
الغارديان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى