عناوين قاتلة: كيف ساعد الإعلام الألماني على استهداف الصحفيين الفلسطينيين

ترجمة – نبض الشام
في ظل تصاعد المجازر الإسرائيلية في غزة، لم يعد استهداف الصحفيين الفلسطينيين مجرد عمل عسكري، بل أصبح نتيجة لروايات إعلامية ممنهجة تمهد لقتلهم. في ألمانيا، حيث يُفترض أن الذاكرة التاريخية تفرض موقفاً أخلاقياً ضد الإبادة، لعبت بعض كبريات المؤسسات الإعلامية دوراً خطيراً في تبرير قتل الصحفيين. عبر نشر اتهامات غير مدعومة بالأدلة وربط الصحفيين بحماس، ساهم الإعلام الألماني في شرعنة العنف وتحويل الضحايا إلى “إرهابيين” قبل تصفيتهم.
اغتيال تحت غطاء الرواية
قبل أشهر من مقتل الصحفي الفلسطيني حسام شباط على يد الجيش الإسرائيلي، كانت الاتهامات تلاحقه بأنه “عنصر في حماس”، رغم عمله في توثيق معاناة الأهالي في شمال غزة خلال “خطة الجنرالات” الإسرائيلية.
هذه الاستراتيجية الإسرائيلية لا تخفي اغتيالاتها، بل تمهد لها بتشويه صورة الضحايا وتصنيفهم كـ”إرهابيين”، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الذي يحظر استهداف الصحفيين.
ضربة موجعة للصحافة
أحدث جريمة هزّت العالم كانت اغتيال خمسة صحفيين من قناة الجزيرة في خيمة بمدينة غزة، بينهم أنس الشريف الذي سبق أن حذرت الأمم المتحدة ولجنة حماية الصحفيين من أن حياته في خطر. ورغم هذه التحذيرات، قُتل الشريف، في وقت يتعاظم فيه الاعتراف الدولي بأن ما يجري في غزة هو إبادة جماعية تبث على الهواء مباشرة.
دور الإعلام الألماني في التبرير
في ألمانيا، حيث يُفترض أن الدروس التاريخية تمنع تبرير الإبادة، ذهبت بعض المؤسسات الإعلامية الكبرى إلى حد الدفاع الضمني عن قتل الصحفيين. مثال ذلك صحيفة “بيلد” التابعة لمؤسسة “أكسل شبرينغر”، التي نشرت بعد ساعات من مقتل أنس الشريف صورة له بعنوان: “إرهابي متنكر بزي صحفي”، قبل تعديله إلى “الصحفي المقتول كان يُزعم أنه إرهابي”.
استهداف بالاسم والسمعة
لم يتوقف الأمر عند الشريف، فبعد أسبوع فقط، استهدفت “بيلد” المصور الفلسطيني أنس زايد فتيحة، متهمة إياه بفبركة صور لمجاعة غزة، رغم وجود أدلة على صحة الصور. الصحيفة وضعت كلمة “صحفي” بين علامتي اقتباس، وألمحت إلى أن عمله مجرد دعاية لحماس. هذه السردية دعمتها وزارة الخارجية الإسرائيلية وروجتها دولياً، بينما وصف فتيحة ما حدث بأنه “جريمة بحق الصحافة”.
نقابة الصحفيين تدخل على الخط
تزامن ذلك مع بيان صادر عن رابطة الصحفيين الألمان يشكك في صور لأطفال هزيلين في غزة، زاعماً أن حالتهم قد لا تكون نتيجة المجاعة، دون تقديم أي دليل. واستندت النقابة إلى مقال سابق في “فرانكفورتر ألجماينه” ألمح إلى أن سوء التغذية قد يعود لأمراض سابقة، متجاهلة أن الجوع والأمراض المزمنة قد يتداخلان في إنتاج حالات الهزال الشديد.
تحيزات مؤسسية وخدمة سياسية
التحيز الموالي لإسرائيل في الإعلام الألماني ليس جديداً، إذ تضع مؤسسة “أكسل شبرينغر” دعم إسرائيل ضمن مبادئها الأساسية. في سبتمبر الماضي، ساعدت “بيلد” على تعطيل مفاوضات وقف إطلاق النار عبر نشر وثيقة مسربة من فريق نتنياهو، تزعم أن حماس لا تسعى لإنهاء الحرب سريعاً، في توقيت خدم موقف نتنياهو سياسياً. الوثيقة اتضح لاحقاً أنها حُرّفت، لكن التقرير لا يزال منشوراً بلا تصحيح.
انحياز يتجاوز مؤسسة واحدة
الإخفاق في تغطية متوازنة لقضية فلسطين امتد إلى وسائل الإعلام الألمانية كافة، خصوصاً بعد هجمات 7 أكتوبر، حيث روجت روايات غير مثبتة مثل مزاعم “قطع رؤوس 40 طفلاً رضيعاً” دون تصحيح لاحق. كما اعتمدت التغطيات على بيانات الجيش الإسرائيلي كمرجع للتحقق، وتجاهلت السجل الموثق للتضليل، بل نشرت “دي تاتز” مقالاً يتساءل إن كان الصحفيون يمكن أن يكونوا إرهابيين، مستشهدة بالجيش الإسرائيلي دون أي صوت من غزة.
نتيجة قاتلة للسردية
مثل هذه التغطيات لا تسهم فقط في تشويه سمعة الصحفيين الفلسطينيين، بل توفر مبررات سياسية وأخلاقية لاستهدافهم. في بلد يرفع شعار “لن يتكرر ذلك أبداً”، يضعف هذا الشعار حين يصبح الإعلام أداة لتبييض جرائم الحرب أو ترويجها.
إن اغتيال الصحفيين في غزة يهدف إلى إسكات الشهود ومحو السجلات الحية للجرائم. لكن حين يصبح الإعلام الألماني جزءاً من هذه العملية، عبر التواطؤ أو الترويج للرواية الإسرائيلية، فإنه يتحول من سلطة رقابية إلى أداة قتل معنوي وسياسي. التاريخ سيسجل هذه المرحلة، وسيكون فصل ألمانيا فيها ثقيل الوطأة، ولا مجال بعد ذلك لإنكار ما كان يحدث أمام الجميع.




