تمرد داخل إسرائيل: الآلاف يرفضون حرب غزة والاحتلال يستنفر الجيش
ترجمة – نبض الشام
تتصاعد داخل إسرائيل موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات الشعبية والرفض العسكري لحرب غزة، وسط اتهامات لحكومة نتنياهو بارتكاب جرائم إبادة وتجويع جماعي. فبينما تواصل تل أبيب توسيع عملياتها العسكرية، يتزايد عدد “الرافضين” للخدمة في صفوف الاحتياط، بالتزامن مع مظاهرات حاشدة في تل أبيب ومدن أخرى. وبين الضغوط الداخلية والانتقادات الدولية، تتحول حرب غزة إلى معركة شرعية داخل إسرائيل نفسها.
احتجاجات غير مسبوقة
شهدت تل أبيب واحدة من أضخم المظاهرات منذ اندلاع الحرب، حيث تجمع آلاف الإسرائيليين في ساحة “هابيما” للمطالبة بوقف الهجوم على غزة. حاولت الشرطة منع المسيرة عبر إلغاء التصريح الرسمي، لكن المحتجين تحدّوا المنع ورفعوا صور الأطفال الجائعين والضحايا تحت القصف، مرددين هتافاً موحداً: “لن يتكرر ذلك أبداً”.
توسع الجيش وتصاعد الرفض
في موازاة ذلك، أصدر الجيش الإسرائيلي 60 ألف أمر استدعاء جديد لقوات الاحتياط منذ قرار الحكومة بإعادة احتلال مدينة غزة، ليصل العدد إلى نحو 130 ألف جندي في سبتمبر، وهو المستوى الأعلى منذ اندلاع الحرب. لكن بالتوازي مع هذا التوسع، تتنامى حركة “الرافضين للخدمة العسكرية” بوتيرة غير مسبوقة، رافضةً المشاركة في ما يصفه كثيرون بأنه جرائم حرب.
موجة جديدة من “الرافضين”
ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة موجة كبيرة من الرافضين العلنيين والصامتين على حد سواء. فمن جهة، يعلن بعض المراهقين المنتمين لحركة “مسرفوت” رفضهم الصريح للتجنيد الإجباري، رغم تعرضهم لأحكام بالسجن المتكرر في سجون عسكرية. وقد أطلق عليهم النشطاء لقب “جنود السلام”، بعد تضحياتهم في مواجهة آلة الحرب.
في المقابل، يختار آخرون رفض الخدمة سرًا، فيما تظل أعدادهم الدقيقة سرًا استخباراتيًا، لكن منظمة “يش غفول” تؤكد أن أعدادهم ترتفع يومًا بعد يوم.
دعم شعبي متزايد
أظهر استطلاع رأي نشرته صحيفة هآرتس تحولاً كبيراً في المزاج العام الإسرائيلي، إذ يرى 33% من اليهود الإسرائيليين أن رفض التجنيد مبرر وضروري، خاصةً لإنقاذ الرهائن المحتجزين في غزة. دوافع الرفض متعددة: من الاعتراض الأخلاقي على المجازر، ورفض المشاركة في “الإبادة”، إلى المعارضة السياسية للاحتلال، والخوف على حياة الرهائن، إضافة إلى الغضب من إعفاء المتدينين الحريديم من الخدمة العسكرية.
أصوات من الميدان
في كلمة مؤثرة ألقتها الناشطة إيلا كيدار غرينبرغ خلال مظاهرة السبت، بعد قضائها شهراً في الحبس الانفرادي، أكدت أن رفضها الخدمة العسكرية كان محاولة مباشرة لوقف الدمار المستمر في غزة. وأشارت إلى أن المعارضة داخل إسرائيل، رغم أنها لا تزال أقلية، في تزايد مطرد، مدفوعة بتنامي الغضب من سياسات حكومة نتنياهو.
عرب ويهود ضد الحرب
شهدت المظاهرة الأخيرة مشهداً نادراً لوحدة إنسانية بين آلاف العرب واليهود الذين اصطفوا جنباً إلى جنب للتنديد بالمجازر والتجويع. طالب المتظاهرون بالإفراج عن جميع الرهائن والمعتقلين غير القانونيين من الجانبين، والدعوة لاتفاق سياسي يؤدي إلى انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من غزة.
“لن يتكرر ذلك أبداً”
حملت المظاهرة شعاراً موحداً عُلّق على لافتة ضخمة: “لن يتكرر ذلك أبداً”، في إشارة إلى مجازر غزة والكارثة الإنسانية المتفاقمة.
لن نصمت أمام قتل الأطفال وتجويع العائلات.
لن نقبل اقتحام المستشفيات وتدمير الأحياء.
لن نسمح للحكومة بعرقلة أي اتفاق يمكن أن ينقذ الرهائن.
لن تُرتكب المجازر باسمنا في صمت بعد اليوم.
البعد التاريخي للمأساة
يرى د. عوفر كاسيف، عضو الكنيست وكاتب المقال، أن عبارة “لن يتكرر ذلك أبداً” تستمد قوتها من جذورها التاريخية المرتبطة بالمحرقة النازية. وبعد الحرب العالمية الثانية، تعهدت البشرية بعدم السماح بتكرار مثل هذه الفظائع، ومع اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية منع الإبادة الجماعية عام 1948، بدا أن العالم تعلّم الدرس. لكن مأساة غزة الحالية، برأيه، تمثل انهياراً تاماً لهذا التعهد، حيث يقف العالم متفرجاً على إبادة شعب كامل.
نقد لاذع للغرب
انتقد كاسيف مواقف القادة الغربيين، متهماً إياهم بالتواطؤ. فقد وصف وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي المجاعة في غزة بأنها “كارثة من صنع البشر”، لكن كاسيف تساءل: “ألستم أنتم من صنع هذه الكارثة؟”. كما هاجم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لطرحه خطة مشروطة للاعتراف بدولة فلسطينية، مؤكداً أن سكان غزة لا يملكون ترف الانتظار بينما يقصفون ويجوعون.
دعوة للحسم
دعا كاسيف الحكومة البريطانية إلى:
الاعتراف الفوري وغير المشروط بدولة فلسطين.
الاعتراف بنتنياهو كمجرم حرب دولي.
فرض عقوبات على قادة حركة الاستيطان مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
الاعتراف بأن حكومة نتنياهو هي العائق الرئيسي أمام إطلاق سراح الرهائن.
التعامل مع ما يجري في غزة كإبادة جماعية مستمرة، واتخاذ خطوات ملموسة لوقفها.
تعيش إسرائيل لحظة انقسام داخلي غير مسبوقة، حيث يزداد الغضب الشعبي وتتوسع حركة رفض الخدمة العسكرية في مواجهة سياسات نتنياهو وحربه على غزة. وفي ظل الاتهامات الدولية المتزايدة بارتكاب جرائم إبادة وتجويع، تبدو تل أبيب عالقة بين الضغوط الداخلية والتنديد العالمي. ومع تعاظم صوت المحتجين والرافضين، يبدو أن حرب غزة لن تبقى ساحة صراع خارجية فقط، بل ستتحول إلى معركة وجودية داخل إسرائيل نفسها.




