جريمة إعدام ميداني: مقتل أميركي من أصل سوري وسط فوضى السويداء

ترجمة – نبض الشام
في واحدة من أعنف موجات العنف الطائفي منذ الإطاحة بـ بشار الأسد، أُعدم المواطن الأميركي السوري حسام سرايا رمياً بالرصاص على يد مسلحين بعد اختطافه من منزله في السويداء. الحادثة التي وثقتها مقاطع مصورة وأكدتها عائلته، أثارت صدمة كبيرة داخل وخارج البلاد، وسط اتهامات لقوات حكومية ومخاوف من تصاعد الانتقام الطائفي.
مقتل حسام سرايا
قُتل حسام سرايا، البالغ من العمر 35 عاماً، خلال أعمال عنف طائفية دموية جنوب سوريا الأسبوع الماضي، بعد أن اقتاده مسلحون مع عدد من أقاربه من منزل العائلة في مدينة السويداء. بحسب أقاربه وأعضاء في الكونغرس الأميركي، أُعدم سرايا ميدانياً برفقة أقاربه، في مشهد وثقته مقاطع فيديو انتشرت عبر الإنترنت، ظهر فيها مسلحون، بعضهم يرتدي بزات عسكرية، وهم يطلقون النار عليهم بعد إجبارهم على الركوع.
وأكد أقارب سرايا أن ثمانية من أفراد العائلة قُتلوا. المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، تامي بروس، أكدت مقتل سرايا وعرّفته كمواطن أميركي، بينما وصف السيناتور الجمهوري جيمس لانكفورد (عن أوكلاهوما) الحادثة بـ”الإعدام المأساوي”.
تصعيد دموي في السويداء
شهدت السويداء، ذات الغالبية الدرزية، واحدة من أشد موجات العنف منذ ديسمبر الماضي، عقب الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد. بدأت الاشتباكات في 12 يوليو بين فصائل درزية محلية وبدو سنة، وتوسعت سريعاً لتشمل مقاتلين حكوميين، ومسلحين قبليين، وحتى غارات جوية إسرائيلية استهدفت حكومة الرئيس الجديد أحمد الشرع، بما في ذلك مبانٍ حكومية ووحدات عسكرية.
إعدامات ميدانية وتخوفات أقلوية
أفادت منظمات حقوق الإنسان بمقتل المئات خلال أيام من القتال، سواء خلال الاشتباكات أو نتيجة إعدامات ميدانية نفذها مقاتلون. وثّقت مقاطع فيديو قيام قوات حكومية بإهانة رجال دروز والاعتداء عليهم، مما زاد من قلق الأقليات السورية من حكم الحكومة الإسلامية الجديدة، والمقاتلين المتشددين العاملين تحت سلطتها.
وذكرت “هيومن رايتس ووتش” أن تدخل الحكومة والغارات الإسرائيلية زاد من حدة العنف، محذّرة من خطر الانتقام الطائفي واستمرار الكارثة الإنسانية في السويداء رغم وقف إطلاق النار. وأشارت إلى تعطل واسع في الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وتصاعد خطاب الكراهية.
تفاصيل الاعتقال والقتل
قال أقارب سرايا إن المسلحين الذين اقتادوا حسام وسبعة من أفراد عائلته قدّموا أنفسهم على أنهم قوات حكومية. ولم تتمكن صحيفة “واشنطن بوست” من تحديد هوية المسلحين، رغم ظهورهم في مقاطع فيديو أثناء اقتياد الضحايا وأذرعهم مرفوعة، وفي مشاهد الإعدام.
ورداً على تساؤلات حول عمليات القتل، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين بابا إنهم “يرفضون أي انتهاك ضد مدنيين أبرياء”، مشيراً إلى ضرورة محاسبة أي جهة حكومية متورطة. وفي بيان لاحق، أدانت الوزارة بشدة مقاطع الفيديو وأعلنت فتح تحقيق عاجل لتحديد الجناة واعتقالهم.
حسام: من طالب جامعي إلى ضحية مأساة
درس حسام سرايا المالية والمحاسبة في جامعة دمشق، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة قبل نحو عقد لمتابعة دراسته العليا، حيث حصل على ماجستير إدارة أعمال من جامعة “أوكلاهوما كريستيان”. عمل لعدة سنوات كمدير عمليات في شركة رعاية كبار السن، وكان يعيش بمفرده، يحب تحضير التبولة ويقضي وقتاً طويلاً في صالة الألعاب.
قال أحد أقاربه: “كان شخصاً مرحاً، اجتماعياً، إيجابياً جداً”، مشيراً إلى أنه عاد إلى سوريا قبل نحو عام ونصف لرعاية والده المريض، وتأسيس مدرسة إلكترونية في السويداء.
وبحسب ما نُقل عن أفراد العائلة، وصل المسلحون إلى المنزل عند السادسة صباحاً، واعتقلوا حسام وشقيقه كريم ووالدهما وآخرين. عادوا لاحقاً وهددوا النساء في المنزل، اللواتي توسّلن من أجل حياة الرجال. لم يكن من المعروف حينها ما إذا كانوا قد قتلوا.
كما سرق المسلحون مجوهرات العائلة، وتعرض المنزل لاحقاً لتهديدات من مجموعة مسلحة أخرى زعمت أيضاً أنها تنتمي لأمن الدولة. وقال القريب: “أي وحوش أو برابرة يمكنهم فعل ذلك؟… نحن لا نثق بالحكومة على الإطلاق لحمايتنا”.
مذبحة الساحل ولجنة التحقيق
تزامناً مع دفن قتلى السويداء، كانت سوريا لا تزال تتعامل مع آثار مذبحة سابقة وقعت في مارس في المنطقة الساحلية، معقل الطائفة العلوية. وقد قدّمت لجنة تحقيق نتائجها يوم الثلاثاء، زعمت فيها أن المجزرة بدأت عندما نصب موالون للأسد كميناً أسفر عن مقتل 238 عنصراً من القوات الحكومية، مما استدعى رداً شرساً من 200 ألف عنصر موالٍ للرئيس أحمد الشرع، ارتكب بعضهم عمليات قتل وجرائم أخرى.
وأظهر التقرير أن عدد القتلى بلغ 1,426 شخصاً، معظمهم مدنيون. ورغم أن اللجنة لم تجد أدلة على أن الانتهاكات نُفذت بأوامر من القيادة العليا، إلا أنها أشارت إلى أن “السيطرة الفعلية للدولة خلال الفترة المشمولة بالتقرير كانت جزئية أو معدومة”، بحسب المتحدث ياسر الفرحان، الذي أضاف أن الحكومة ما زالت تعمل على إعادة بناء المنشآت الأمنية والعسكرية.
إحالة الجناة للنيابة
وحددت اللجنة 298 شخصاً ينتمون إلى فصائل موالية للحكومة، يُعتقد أنهم ارتكبوا انتهاكات. لم تُنشر أسماؤهم علناً، لكن رئيس اللجنة جمعة العنزي أكد أنهم سيحالون إلى النيابة العامة. وقد تم تسليم التقرير إلى الرئيس أحمد الشرع، لكنه لم يُنشر بشكل رسمي.
تكشف مأساة حسام سرايا وعائلته، إلى جانب مجازر أخرى في سوريا، عن فوضى دموية لم تهدأ بعد، وتسلّط الضوء على عمق الانقسامات الطائفية وانعدام المحاسبة. وبينما تتكرر مشاهد الإعدام والانتهاكات، يبقى السوريون في مواجهة واقع مظلم، تغيب فيه العدالة وتُهدَّد فيه الأرواح في وضح النهار.




