دمشق تُراهن على أنقرة: تحالف أمني يُربك إسرائيل ويُقلق واشنطن

خاص – نبض الشام
في خطوة مفاجئة، طلبت دمشق رسمياً من أنقرة دعماً عسكرياً وأمنياً لتعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة الإرهاب، وعلى رأسه “داعش”. هذه الدعوة فتحت أبواباً جديدة لصراع النفوذ التركي الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، وسط حذر أمريكي وصمت ملتبس من تل أبيب. فهل تمهد هذه الخطوة لتحالف استراتيجي جديد يعيد رسم موازين القوى في سوريا؟
دعوة سورية تربك التوازنات
كشفت وزارة الدفاع التركية عن تلقيها طلباً رسمياً من الحكومة السورية لدعم قدراتها الدفاعية والتعاون في مكافحة الإرهاب، لا سيما ضد تنظيم “داعش”. ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها متأخرة، خاصة أنها تأتي بعد أشهر من تشكيل الحكومة الجديدة في دمشق، وبعد أكثر من عقد من الدعم التركي اللامحدود لتسليح الثورة السورية.
إسرائيل تراقب وترد بالنار
في ظل تكرار الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية، اختارت دمشق أن تستعين بالجار التركي، رغم ما قد يثيره ذلك من قلق في الخليج، وتوتر لدى الأكراد السوريين، وحتى ترقب حذر من تل أبيب التي سبق أن منعت محاولات تركيا للتمركز في وسط سوريا بقصف مباشر. والسؤال: هل تستطيع دمشق الموازنة بين الخصوم المتصارعين على أراضيها؟
صراع النفوذ: أنقرة مقابل تل أبيب
يتصاعد التنافس بين تركيا وإسرائيل على الأرض السورية، حيث بسطت أنقرة نفوذها في الشمال والغرب، بينما رسمت إسرائيل “حدود النار” لمنع التغلغل التركي في العمق السوري. الضحية الكبرى لهذا الصراع تبقى دمشق، التي تحاول توظيف هذا التنافس لصالحها دون أن تصبح ساحة حرب مفتوحة بين الحليفين غير المتصالحين.
دوافع أنقرة: أمن قومي وتاريخ مشترك
يرى المحلل السياسي فهد العمري أن تركيا تسعى لملء الفراغ الذي خلفه سقوط النظام السابق، مدفوعة بروابط الدين والدم والمصالح المشتركة. بالنسبة للسوريين، فإن الشراكة مع تركيا مقبولة، بل مطلوبة، لاعتقادهم أن دعم أنقرة كان حاسماً في بقاء الثورة. غير أن إسرائيل تراقب بقلق هذا التقارب، وتعمل على تقويضه باستهداف أي حضور عسكري تركي محتمل.
مخاوف إسرائيل: توازن هش وماضٍ لم يُنس
إسرائيل تخشى من أن يؤدي التواجد العسكري التركي إلى تقويض سيطرتها الجوية والاستخباراتية، خاصة في ظل احتمال عودة فصائل موالية لإيران. كما أن لتل أبيب تحفظات على الخلفية الجهادية للحكومة السورية الحالية، وتقاطعها العقائدي مع تركيا، ما يثير شكوكاً في أن خطر تركيا قد يفوق خطر إيران مستقبلاً.
الموقف الأمريكي: دعم مزدوج وغموض متعمد
واشنطن لم تُصدر موقفاً واضحاً بشأن التعاون التركي السوري. وبينما تغازل تركيا بمدح الرئيس أردوغان، تدعم في الوقت ذاته “قسد” التي تعارضها أنقرة، وتغض الطرف عن الغارات الإسرائيلية. المحلل عمر أمين يرى أن أمريكا تحاول لعب دور الحكم بين حليفيها، مانحة تركيا نفوذاً في الشمال، وضامنة لإسرائيل هيمنة جنوبية منزوع السلاح.
العسكر التركي: لا نريد حرباً بالوكالة
يرى المحلل إبراهيم العلي أن رد المؤسسة العسكرية التركية كان حذراً ومقتضباً، وظهر فيه استقلال واضح عن قرارات الرئاسة. فالعسكر لا يرغبون في التورط في صراع مع إسرائيل، ويفضلون حصر التعاون مع سوريا في الدعم الفني فقط. كما يخشون أن يستغل أردوغان هذا التحالف لتحسين شعبيته داخلياً.
إسرائيل تُعيد ضبط المعادلة
الغارات الإسرائيلية على هيئة الأركان السورية، بعد ما اعتبرته تجاوزاً سورياً للخطوط الحمراء في الجنوب، ساهمت في دفع أنقرة لإعادة التفكير بواقعية في حدود الاشتباك. حتى واشنطن بدت متأثرة بالضغط الإسرائيلي، إذ غيّر مبعوث ترامب إلى سوريا نبرته، وأصبح أقل ميلاً لمهادنة دمشق.
في خضم صراع النفوذ الإقليمي على الأرض السورية، تحاول دمشق إعادة تموضعها عبر بوابة أنقرة، لكن هذه الخطوة ليست بلا ثمن. فبين الحذر التركي، والريبة الإسرائيلية، والغموض الأمريكي، يبدو أن أي اتفاق أمني جديد سيكون رهينة لتفاهمات أكبر وتوازنات أدق من أن تحسمها مبادرات فردية أو تصريحات رسمية. الأيام المقبلة وحدها ستُظهر إن كان هذا التحالف وليد اللحظة أم بداية مسار استراتيجي طويل.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




