السويداء: جذور اقتصادية وخلافات تاريخية تُشعل الجنوب السوري

خاص – نبض الشام
في الوقت الذي تشهد فيه محافظة السويداء توتراً متصاعداً، يُختزل الحدث في سرديات سياسية وطائفية، لكن الواقع يكشف عن أزمات أعمق وأشد تعقيداً. فالمحافظة تعاني من تدهور اقتصادي مزمن، وجفاف زراعي مدمّر، وصراع اجتماعي متجذر، يتغذى على الإهمال الحكومي وتفكك مؤسسات الدولة، وتغول الجماعات المسلحة. هذا المقال يكشف الوجه الآخر لما يجري في السويداء، عبر قراءة شاملة في العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتاريخية والإقليمية التي تشكّل المشهد المضطرب جنوب سوريا.
اقتصاد هشّ وزراعة منهارة
أدى الاعتماد على الزراعة البعلية، وتراجع الهطولات المطرية لأقل من 30% هذا الموسم، إلى كارثة زراعية ضربت المحاصيل الأساسية كالقمح والحمص والشعير، وأثّرت بشكل مدمر على الأشجار المثمرة مثل التفاح والزيتون والخرمة. ما أدى إلى تراجع الإنتاج بشكل غير مسبوق، وتسبب بخروج 75% من الأراضي الزراعية عن الخدمة.
ركود يضرب التجارة والخدمات
انهيار قيمة العملة، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب الاستقرار السياسي، كلّها عوامل أصابت قطاعات التجارة والخدمات بالشلل، رغم عدم دخول السويداء في مواجهة مباشرة مع النظام خلال الحرب.
صراع تاريخي متجدد
الخلاف التاريخي بين الدروز والبدو على الأراضي ومصادر المياه عاد ليشعل التوتر، خاصة في القرى القريبة من البادية، حيث شهدت السنوات الأخيرة اشتباكات متكررة، أبرزها الهجوم على تاجر درزي، والذي فجّر موجة من عمليات الخطف المتبادلة تطورت لاحقاً إلى صدامات دامية.
اتهامات بالانفصال منذ الاستقلال
منذ أربعينات القرن الماضي، واجهت السويداء اتهامات متكررة بالسعي للانفصال، وهو ما تسبب في أزمات مع الدولة السورية، وخصوصاً بعد احتجاجات 2021 التي روّج النظام أنها “انفصالية”، لعزل المحافظة عن محيطها الوطني.
تكتيكات الأسد: الاحتواء والتفتيت
طوال الحرب، تعامل نظام الأسد مع السويداء بتكتيك مزدوج: امتصاص الغضب الشعبي ظاهرياً، مع تشجيع الفوضى المسلحة داخلياً. غضّ النظر عن عصابات الخطف وتسهيل انتشار المخدرات، خصوصاً “الكبتاغون”، شكّلا أدوات لتحييد المجتمع وإضعافه من الداخل.
الفراغ الأمني وانتشار السلاح
منذ 2012، أفسح انسحاب الدولة المجال أمام جماعات مسلحة محلية لعبت دور “الحامي” و”البديل الاقتصادي”، بعضها مرتبط بالأجهزة الأمنية، وبعضها سيطر على طرق التهريب والاتجار بالمخدرات، خصوصاً نحو الأردن والخليج.
احتجاجات 2023: من الغلاء إلى التمرد
قرار رفع دعم الوقود في أغسطس 2023 كان الشرارة التي فجّرت غضباً واسعاً في السويداء. بدأت الاحتجاجات بمطالب معيشية ثم تحوّلت بسرعة إلى حراك سياسي واسع تخلله إسقاط تماثيل الأسد، ورفع علم الاستقلال، وإغلاق مقار حزب البعث وتحويلها إلى مراكز مدنية.
رد النظام: تجاهل وقمع ناعم
حاول نظام الأسد امتصاص الغضب دون تصعيد مباشر، لكنه في الوقت نفسه أعاد سياسة التضييق الخدمي، ودفع بجماعات مسلحة موالية للتصعيد والاصطدام مع الحراك الشعبي، في محاولة لتفتيت وحدة الصف الداخلي.
بيئة إقليمية شديدة التوتر
السويداء تقع في نقطة تماس جغرافي مع الأردن الذي يرى في تهريب المخدرات عبر الجنوب تهديداً مباشراً لأمنه، ما دفعه إلى تنفيذ ضربات جوية ضد مهربي مخدرات شرق المحافظة. كذلك، تسعى إسرائيل إلى استثمار اضطرابات السويداء سياسياً، بزعم “حماية الدروز”، ما أثار الجدل حول تواصل غير مباشر بين بعض الشخصيات الدرزية والجهات الإسرائيلية.
أزمة متشعبة ومستقبل غامض
لا يمكن اختزال أزمة السويداء في سردية طائفية أو احتجاجات محلية فقط. ما يجري هو انعكاس لانهيار اقتصادي، وتفكك اجتماعي، وصراع على السلطة والنفوذ، تغذيه الدولة المركزية كما تغذيه قوى خارجية. وفي ظل الغياب التام لأي أفق سياسي حقيقي.
إذ تعكس تطورات السويداء طبيعة التحديات المعقدة التي تواجهها سوريا في ظل الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والأمني. فالمحافظة المحاصرة بين مطرقة الجفاف والفقر وسندان التجاذبات السياسية، تبدو اليوم في قلب صراع على الهوية والسيادة، حيث تتقاطع المصالح المحلية مع الإقليمية والدولية. ورغم خفوت الاحتجاجات، فإن جذور الأزمة لا تزال قائمة، تنذر بتجدد الانفجار ما لم يتم تفكيك أسبابها الجوهرية بشكل جذري.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




