ترجمات نبضتغطية خاصة الحرب على إيرانتقارير

رئيس أم ملك؟ عندما تُدار الحروب بضمير “المتكلم”

ترجمة – نبض الشام

بينما تصاعدت تحذيرات التقدميين من “الحكم الفردي” في الداخل الأمريكي، يغضّ الكثير منهم الطرف عن النهج الأحادي في القرارات العسكرية الخارجية. وفي هذا السياق، أشار مقال نشرته “واشنطن بوست” وترجمه نبض الشام إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدّث عن الحرب وكأنها قراره وحده، متجاهلاً الكونغرس والدستور. فهل عاد شبح الرئاسة الإمبراطورية ليطلّ برأسه مجدداً؟

أنا.. ثم أنا.. ثم أنا

“أنتم لا تعرفون إن كنت سأفعل ذلك أصلاً. قد أفعله، وقد لا أفعل. أعني، لا أحد يعرف ما الذي سأفعله.”
هذا ما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في واحدة من تلك التدفقات شبه الواعية التي يشاركنا من خلالها نواياه المتقلبة. كان يفكّر بصوت عالٍ حول إمكانية تدخله في الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران، وكأن قرار الحرب مجرد شأن شخصي بحت.

وكالعادة، كانت رسالته تتجلى في تكراره لضمير المتكلم المفرد. فعندما يعرف ما يود فعله، فإن الجميع، بمن فيهم الكونغرس (الذي أصبح أشبه بجمهور متفرّج لا فاعل) سيعلم بالأمر فقط لأنه سيكون قد نفّذه بالفعل.

وكان السؤال المطروح هو: هل سيأمر الرئيس القاذفات الأمريكية بتوجيه الضربة الوحيدة القادرة، من بين كل الذخائر التقليدية (أي غير النووية)، على تدمير أكثر المواقع تحصيناً في برنامج إيران النووي؟ وثمّة حجة قوية تدعم القيام بذلك. ومع ذلك، لن يكون من باب التهذيب فحسب، بل من باب الحكمة أيضاً، أن يعرض الرئيس قضيته أمام الرأي العام. وعلى الرغم من أن الأمر قد يبدو غريباً في ظل التآكل المؤسسي الذي نعيشه اليوم، فإنه من الناحية الدستورية، سيكون من الملائم إشراك الكونغرس بطريقة ما.

قرار الحرب؟ لعبة فردية

في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، نظّم العديد من الأمريكيين (ومعظمهم من التقدميين بلا شك) احتجاجات بعنوان “لا ملوك”، ضد ما أسهمت التقدمية نفسها إلى حد كبير في إنتاجه: (رئاسة منفلتة ومتضخّمة). تركزت مخاوفهم بشكل أساسي على قضايا داخلية، مثل خفض الإنفاق بشكل أحادي، والترحيل القسري، وغيرها. ولكن (كما هي العادة في السياسة الحديثة) فإن أسبوعاً واحداً يمكن أن يُحدث تحولاً كاملاً. اليوم، بات التقدميون، أولئك الذين يتحولون أحياناً إلى دستوريين عند اللزوم، قلقين من التوسّع غير المقيّد في صلاحيات الرئيس فيما يخص شن الحروب.

التقدميين… سلوك انتقائي

لطالما كان أوباما انتقائياً في احترام الدستور. فقد غيّر قوانين الهجرة رغم اعترافه سابقاً بأنه لا يملك الصلاحية لذلك، وتدخل في الحرب الأهلية الليبية دون تفويض من الكونغرس، مستنداً إلى تفسير قانوني يرى أن آلاف الضربات الجوية لا تُعد “أعمالاً عدائية”.

الرئيس: فاعل دائم… لكن ليس منفرداً

الرؤساء، وعلى عكس الكونغرس، يؤدّون مهامهم بشكل دائم ويمكنهم الاستجابة للأزمات بسرعة، لذا فهم يتمتعون بدور بارز في الشؤون الخارجية. ولكنهم ليسوا مستقلين تماماً: إذ تُشاركهم السلطات ذات الصلة مع الكونغرس. فالكونغرس مُخوّل بسلطة تنظيم التجارة مع الدول الأجنبية (وهي سلطة تخلّى عنها إلى حد كبير).

تقسيم السلطة في قرارات الحرب

ويُعد الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكن الكونغرس هو الجهة التي تنشئ تلك القوات وتموّلها. الرؤساء يشنّون الحروب؛ لكن الكونغرس هو من يُعلنها. ويجب على مجلس الشيوخ الموافقة على المعاهدات التي يفاوض عليها الرئيس.

المعايير القانونية للضربات الرئاسية

وقد قال مكتب المستشار القانوني التابع لوزارة العدل الأمريكية ، والذي يعتبر صديقاً للسلطة التنفيذية، مراراً وتكراراً: بأن شرعية الأفعال العسكرية التي يباشرها الرئيس يجب تقييمها بناءً على “طبيعتها، ونطاقها، ومدتها”.

قوة تنفيذية… بلا قيود؟

وفي كتابه “الرئيس الذي لم يُرِد أن يكون ملكاً: السلطة التنفيذية في ظل الدستور” (2020)، يقول أستاذ القانون في جامعة ستانفورد، مايكل دبليو. ماكونيل، إن المعايير التي يعتمدها مكتب المستشار القانوني (OLC) قد منحت الشرعية لاستخدامات أحادية من قبل الرئيس للقوة العسكرية، انطوت على إنفاق مليارات الدولارات ومقتل آلاف الأشخاص في ليبيا والبوسنة والصومال.

عندما تتجاوز الرئاسة حدود الدستور

ويضيف ماكونيل: “حتى إذا كان نص الدستور يترك هامشاً معيناً للرئيس لبدء أعمال عدائية دون إعلان حرب شامل، فمن الصعب تصديق أن السلطة التنفيذية يمكن أن تُمد بهذا الشكل المتطرف كما حدث في الآونة الأخيرة. فالانخراط العسكري في ليبيا… لم يكن بأي حال دفاعياً، ولم يكن مفاجئاً. فقد تشاور الرئيس لعدة أشهر مع الأمم المتحدة وحلفاء أوروبيين، لكنه لم يلجأ إلى الكونغرس الأمريكي”.

“ملك”… في سياق رئاسي أمريكي

ويشير أستاذ القانون في جامعة فرجينيا (University of Virginia) سايكرشنا براكاش إلى أن مصطلح “ملك” (Monarch) يأتي من الجذر “Mono” أي “واحد” أو “فردي”، ومن “Arch” المشتقة من “Archon” أي “الحاكم”.

وفي هذا السياق، قال الرئيس دونالد ترامب المعروف بإفراطه في استخدام ضمير المتكلم المفرد يوم الأربعاء: “لدي أفكار حول ما يجب فعله”، و”يمكنني الانتقال من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار”، و”أُحب اتخاذ القرار النهائي قبل لحظة من الموعد المحدد”.

آخر مرة تكلم الكونغرس

وكان آخر إعلان رسمي للحرب من قبل الكونغرس الأمريكي في 5 حزيران عام 1942، حين أعلن الحرب على كل من المجر ورومانيا وبلغاريا، بهدف توضيح الالتباسات القانونية في خضم نزاع عالمي.

السؤال الحقيقي: هل نعود للحكم الفردي؟

أما اليوم، فالقضية (في الداخل الأمريكي) لا تتعلق بما إذا كان يجب إعلان الحرب رسمياً على إيران، بل بما إذا كانت اللياقة الدستورية، والتوزيع الرشيد للمسؤوليات، والاحترام الواجب للشعب ولممثليه المنتخبين، تستوجب الابتعاد عن النهج “الملوكي” في اتخاذ قرارات الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى