العصر النووي القادم: لماذا ينبغي أن نقلق مجدداً بشأن الأسلحة النووية

لوقتٍ طويل، بدا شبح الإبادة النووية وكأنه ذكرى بعيدة دُفنت مع الحرب الباردة، ولكن اليوم، في هذا العصر النووي الجديد، عصر لا تقوده قوتان عظميان فقط، بل تتحكم به تسع دول، وربما المزيد في الطريق. عصر تتسارع فيه الصواريخ فوق السحب، وتحوم فيه الأسلحة في الفضاء، وتكاد القرارات المصيرية تُترك لخوارزميات الذكاء الاصطناعي، إذ بين تقرير نشرته “واشنطن بوست” وترجمه موقع “نبض الشام” المخاطر الكارثية لتسارع الدول على امتلاك وتطوير الأسلحة النووية.
على مدار الثلاثين عاماً الماضية، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، تراجع احتمال اندلاع حرب نووية. ومع نهاية الحرب الباردة، اختفت إلى حدٍّ كبير من هوليوود الأفلام التي كانت تصوّر الأيام الأخيرة للبشرية، مثل فيلم “على الشاطئ” (1959)، أو دراما التلفزيون “اليوم التالي” (1983). ولم يعد الأطفال في المدارس يختبئون تحت مكاتبهم في تدريبات على النجاة من حرب نووية.
لكن الأسلحة نفسها لم تختفِ. فعلى الرغم من تفكيك الآلاف منها، وتقليص المخزونات النووية بشكل كبير، إلا أن العديد من الأسلحة الأخرى وُضعت في المخازن، ولا تزال آلاف أخرى في حالة تأهب وجاهزة للاستخدام. والآن، تعود هذه الأسلحة والمخاطر التي تشكّلها إلى الواجهة من جديد.
عالم نووي أكثر تعقيداً وخطورة
كان العصر النووي السابق يتمحور حول قوتين عظميين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) على استعداد لتدمير بعضهما البعض في أقل من ساعة. وقد أبقت كل منهما أسلحتها النووية في حالة تأهب دائمة لردع الأخرى من خلال التهديد بالانتقام والتدمير .
أما المشهد النووي العالمي اليوم، فهو أكثر تعقيداً، بل وأكثر هشاشة من نواحٍ عديدة. فعدد أكبر من الدول يملك هذه الأسلحة، والتقنيات باتت أكثر تقدماً. يمكن للأسلحة أن تطير لمسافات أبعد، وبسرعة أكبر، ومن مواقع أكثر تنوعاً. ويمكن للمعلومات (سواء أكانت دقيقة أم مضللة) أن تنتشر بسرعة فائقة. كما أن مستبدين ومتطرفين باتوا في مواقع السلطة في دول تمتلك أسلحة نووية. وأصبحت التهديدات النووية، التي كانت يوماً من المحرمات، أمراً شائعاً على نحو متزايد.
الأسلحة والتقنيات الجديدة: كابوس معاصر
ويُعاد إحياء العديد من الأفكار الأكثر خطورة من أيام الحرب الباردة: الأسلحة النووية منخفضة القوة القادرة على خوض “حروب نووية محدودة”، والصواريخ الفتاكة التي يمكنها تدمير أهداف متعددة دفعة واحدة، وإعادة نشر فئة كاملة من الصواريخ التي كانت محظورة ومُدمَّرة بموجب معاهدة سابقة.
وعلاوة على ذلك، تقوم الدول باختبار طرق جديدة لتوصيل هذه الأسلحة، مثل:
صواريخ كروز تعمل بالطاقة النووية ويمكنها التحليق لأيام قبل ضرب أهدافها.
طوربيدات نووية تحت الماء ذاتية التشغيل.
مركبات انزلاقية فائقة السرعة والمناورة قادرة على تفادي أنظمة الدفاع،
وأسلحة نووية في الفضاء يمكنها مهاجمة الأقمار الصناعية أو أهداف على الأرض دون سابق إنذار.
تملك تسع دول حالياً أسلحة نووية: وهي روسيا، الولايات المتحدة، بريطانيا، الصين، فرنسا، إسرائيل، الهند، باكستان، وكوريا الشمالية. وتُملك هذه الدول مجتمعةً أكثر من 12,200 رأس نووي، موزعة على نحو 120 موقعاً في 14 دولة. من بين هذه الرؤوس، هناك أكثر من 9,500 رأس نشط عسكرياً أو منشور وجاهز للاستخدام.
ومن هذا العدد، يوجد حوالي 2,100 رأس في حالة تأهب قصوى، يمكن إطلاقها خلال دقائق والوصول إلى أي نقطة على الكوكب خلال أقل من نصف ساعة.
كانت روسيا والولايات المتحدة، ولا تزالان، القوتين النوويتين المهيمنتين، إذ تملك الدولتان ،اليوم، ما يقرب من 90٪ من إجمالي الرؤوس الحربية النووية في العالم. ولدى روسيا الترسانة الأكبر، تليها الولايات المتحدة، ولدى كل من الدولتين آلاف الرؤوس النووية في انتظار التفكيك. كما تبقى روسيا والولايات المتحدة البلدين الوحيدين اللذين وضعا حدوداً قانونية لترساناتهما النووية من خلال معاهدات واتفاقيات تفاوضية بدأت منذ عام 1972. آخر هذه الاتفاقيات هي معاهدة “نيو ستارت” التي تم التوصل إليها في عام 2010. وبموجبها، يقتصر عدد الأسلحة الاستراتيجية المنشورة لكل دولة على 1,550 سلاحاً نووياً موزعة على البر والبحر والجو. وعند انتهاء هذه المعاهدة في فبراير المقبل، فلن يكون هناك أي حدود على عدد الأسلحة التي يمكن أن تنشرها الولايات المتحدة أو روسيا، بل ولن تكون هناك حدود أيضاً على أي من الدول النووية السبع الأخرى.
الديناميكية النووية: مسألة الأجسام الثلاثة وما بعدها
نجونا من سباق التسلح النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة عبر مزيج من الردع، والعزيمة، والحظ. ورغم أن دولاً أخرى تمتلك أسلحة نووية، إلا أن حجم الترسانة الصينية بدأ يُثير قلقاً عالمياً كبيراً. فنموها السريع يجعل العالم أكثر خطورة بشكل كبير.
يُفضل المحللون النوويون الإشارة إلى الديناميكية النووية بين الولايات المتحدة وروسيا والصين بأنها “مسألة الأجسام الثلاثة”، وهي استعارة مأخوذة من ظاهرة فيزيائية كلاسيكية: إذ إن التفاعل الجاذبي بين ثلاثة أجسام يصبح أصعب بكثير في التنبؤ به مقارنةً بتفاعل جسمين. وحتى إن استطاعت الولايات المتحدة وروسيا الاتفاق مجدداً على تقييد قواتهما النووية، فإن نمو القدرات الصينية قد يدفعهما إلى السعي لامتلاك مزيد من الأسلحة، ما يُقوّض أي حدود أو قيود.
لكن الأمر لا يقتصر على كونه “مسألة أجسام ثلاثة” — بل هو “مسألة أجسام تسعة”، ويستعصي على الشرح أو الحلول البسيطة.
ومعالجة مخاطر هذا الواقع النووي الجديد لن تقتصر على إعادة تعلم دروس الماضي، لأن طرق نشر هذه الأسلحة، ووسائل إيصالها، والتقنيات التي تعتمد عليها ، كلها تتطور يوماً بعد يوم. فبدلاً من فرض حدود أو قيود على الدفاعات الصاروخية الوطنية ( كما كان الحال بين عامي 1972 و2002 ) تقوم كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين الآن بتطوير دفاعات أكثر تقدماً، بما في ذلك نظام الدفاع الصاروخي “القبة الذهبية” الطموح للغاية الذي أعلنه الرئيس دونالد ترامب مؤخراً.
وفي الوقت نفسه، تقوم عدة دول نووية بتطوير أسلحة فرط صوتية (هايبرسونيك) شديدة المناورة، قادرة على حمل رؤوس نووية وسلوك مسارات غير متوقعة نحو أهدافها لتفادي أنظمة الدفاع الصاروخي.
كما تعمل روسيا والصين على بناء صواريخ بعيدة المدى جديدة تحمل رؤوساً نووية متعددة يمكنها ضرب أهداف متعددة ،وهو عكس التوجه السابق خلال الحرب الباردة للحد من هذه الأسلحة. وتشير تقارير إلى أن كلا البلدين يعمل أيضاً على تطوير خيارات لوضع أسلحة نووية في الفضاء، لضرب الأقمار الصناعية أو أهداف أرضية.
أما الولايات المتحدة، فتدرس بناء وسائل إضافية لإيصال الأسلحة النووية، بما في ذلك صواريخ كروز تُطلق من البحر قادرة على ضرب روسيا والصين وما بعدهما.
الذكاء الاصطناعي: خطر جديد في بيئة غير مستقرة
يبدو أن دروس الحرب الباردة (التي تُفيد بأنه لا توجد نقطة نهاية لسباق التسلح، وأن الأسلحة النووية الأكثر فاعلية لا تؤدي إلى الاستقرار أو الأمان ) قد نُسيت تماماً من قِبل جيل مخططي الدفاع الحاليين.
هناك قلق متزايد من أن روسيا والصين والولايات المتحدة وحتى كوريا الشمالية تخطط لاستخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة ترساناتها النووية. ورغم تطمينات الولايات المتحدة والصين بضرورة “وجود يد بشرية في المشهد”، فإن الذكاء الاصطناعي يُستخدم بالفعل في التخطيط العسكري التقليدي وفي أنظمة الإنذار المبكر والكشف المرتبطة بالسلاح النووي. ولا أحد يعرف على وجه اليقين كيف سيؤثر هذا التطور التكنولوجي الجديد على استراتيجيات الردع النووي في نهاية المطاف.
نزاعات إقليمية وانتشار نووي
تحتفظ العديد من الدول النووية بعلاقات ردع معقدة ومتشابكة مع بعضها البعض. فمثلاً التنافس النووي بين الولايات المتحدة وروسيا يشمل بطبيعته حلفاء الناتو مثل بريطانيا وفرنسا، وكلاهما يمتلك ترسانة نووية محدودة لكنها ذات أهمية استراتيجية.
أما الصين، فهي ليست قلقة فقط من التحركات الأمريكية في المحيط الهادئ ومن روسيا، بل تواجه أيضاً صراع حدود طويل الأمد وتنافساً متصاعداً مع الهند المسلحة نووياً، وشهدت الدولتان اشتباكات مسلحة مؤخراً في عام 2021.
ورغم المظاهر، فإن كوريا الشمالية والصين لا تثقان فعلياً في نوايا بعضهما البعض. وقد زادت ميول بيونغ يانغ نحو روسيا من عمق هذه الشكوك.
من جهتها، تخوض الهند صراعاً طويل الأمد مع باكستان، وتُعد قدرتها على تنفيذ غزو تقليدي سريع عبر الحدود مع باكستان سبباً رئيسياً لتطوير الأخيرة برنامجها النووي.
وفي مايو الماضي، شن الطرفان ضربات متبادلة على قواعد بعضهما، مما أثار مخاوف جدية من تصعيد نووي إقليمي.
وفي عام 2024، صرحت إدارة الرئيس جو بايدن علناً أن باكستان تطور صاروخاً عابراً للقارات يمكنه في نهاية المطاف الوصول إلى الولايات المتحدة.
وقد لا يتوقف عدد الدول النووية عند تسع دول. فنحن ربما ندخل عصراً تنتشر فيه الأسلحة النووية بسرعة بين الأصدقاء والخصوم على حد سواء. إذ أصبحت إيران الآن على بُعد أسابيع فقط من امتلاك كمية كافية من المواد لصنع أول سلاح نووي لها، وقد تقرر التحول إلى قوة نووية في أي لحظة. وإذا حدث ذلك، فمن المرجح أن المملكة العربية السعودية ستسير على خطاها. كما أن حلفاء الولايات المتحدة في شرق آسيا وأوروبا، والقلقون بشأن التزام أمريكا الطويل الأمد بأمنهم، قد يقررون السعي لامتلاك ترساناتهم النووية المستقلة.
الأرقام تكشف المخاطر
القوة التدميرية الكلية للرؤوس الحربية الموجودة في الدول التسع المسلحة نووياً تفوق كل تصور: ما يعادل أكثر من 4.8 تريليون رطل من مادة تي إن تي ، أو ما يزيد عن 145,000 قنبلة من نوع هيروشيما. ويمكن لغواصة استراتيجية أمريكية واحدة أن تحمل عدداً من الرؤوس الحربية يكفي لتدمير أي دولة، كما أن تفجير بضع مئات فقط من هذه الأسلحة قد يرفع كميات هائلة من الغبار والسخام إلى الغلاف الجوي، مما يحجب ضوء الشمس، ويُبرّد الجو، ويُوقف نمو المحاصيل الزراعية ، أي ما يُعرف بـ “الشتاء النووي”. ومثل هذا السيناريو قد يؤدي إلى مجاعة عالمية.
سيجلب العصر النووي القادم اختبارات جديدة وشديدة. وبدون قيود، ستستمر الدول في بناء المزيد والمزيد من الأسلحة النووية، وبالتالي سيرتفع احتمال ارتكاب الأخطاء أو حسابات خاطئة.
الدعوة للاستيقاظ والعمل
يتعين على قادة الدول التسع، وعلى الأنظمة التي يستخدمونها للتحكم في أسلحتهم النووية، اتخاذ القرار الصائب في كل مرة، دون خطأ. وتقوم نظرية الردع النووي على افتراض أن صانعي القرار يتصرفون بعقلانية. ولكن في السنوات الأخيرة، رأينا قادة مثل فلاديمير بوتين في روسيا وكيم جونغ أون في كوريا الشمالية، يبدون استعداداً متزايداً لاستخدام التهديد النووي كأداة للترهيب السياسي، وهو تحول مقلق عن ممارسات الماضي.
وفي عام 2021، تدخل الجنرال مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة في عهد الرئيس ترامب، لمنع أي محاولة محتملة من ترامب لاستخدام السلاح النووي في الأيام الأخيرة من ولايته الأولى.
فهل يمكننا أن نثق بأن القادة لن يتخذوا قرارات بناءً فقط على العاطفة أو الغريزة؟ وهل يمكننا الوثوق بأن هؤلاء القادة (وكثير منهم يعملون ضمن أنظمة استبدادية محاطة بأشخاص لا يعارضونهم ) يتلقون معلومات دقيقة تمكنهم من اتخاذ قرارات مدروسة وعقلانية؟
مخاطر الأخطاء والحوادث
وبعيداً عن الهجمات النووية المتعمدة، يمكن أن تحدث حوادث. وقد حدثت بالفعل. ففي مارس 2022، أطلقت الهند صاروخاً غير مسلح عن طريق الخطأ نحو باكستان حيث سقط وألحق أضراراً بموقف للسيارات لكنه لم يُوقع إصابات. وألقت الهند باللوم على “خلل فني”.
وفي عامي 1979 و1980، أثناء احتدام الحرب الباردة، أنتج نظام الإنذار المبكر الأمريكي خمس إنذارات كاذبة بوقوع هجوم نووي. أظهرت بعض هذه الإنذارات أن عشرات أو مئات الصواريخ السوفيتية تتجه نحو الولايات المتحدة. وفي كل مرة، كان يتم تجهيز “طائرة يوم القيامة” الخاصة بالرئيس ، التي تُستخدم كمركز قيادة متنقل في حال اندلاع حرب نووية. وكان سبب تلك الإنذارات إدخال شريط تدريبي بالخطأ في وحدة التحكم، وفشل شريحة كمبيوتر واحدة.
وعلى الجانب السوفيتي، حدث إنذار كاذب مماثل على الأقل خلال الأشهر التي شهدت توتراً في خريف عام 1983. وفي جميع هذه الحالات، كانت الكلمة لأصحاب العقول الراجحة ، ولكن، هل سيحدث ذلك مستقبلاً؟
مستقبل بلا معاهدات
وفي الوقت ذاته، تم تمزيق العديد من الاتفاقيات التي أُبرمت في القرن العشرين للحد من الأسلحة النووية، وتبدو الدول الآن أكثر اهتماماً بإلقاء اللوم وتوجيه الإهانات لخصومها بدلاً من الانخراط في مفاوضات نزيهة بحسن نية.
في ذروة الحرب الباردة، بلغ إجمالي الرؤوس الحربية النووية في المخزونات الأميركية والسوفيتية معاً 70,000 رأس حربي. وقد أسفرت معاهدات الحد من الأسلحة، إلى جانب إجراءات اتخذتها الدول من تلقاء نفسها، عن تقليص ذلك الرقم بشكل كبير. ثم، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، اعتقد كثير من المراقبين أن خطر الحرب النووية أصبح من الماضي.
لكن التهديد النووي لم يختفِ. ففي عام 1994، تبنت الولايات المتحدة سياسة نووية بعنوان “القيادة، ولكن مع الاحتفاظ بخيارات احتياطية”، أي أن الولايات المتحدة ستقود جهود عدم الانتشار وتُقلص ترسانتها المتضخمة، لكنها ستُبقي على العديد من الأسلحة النووية الاستراتيجية الحديثة. وقد اتبعت روسيا النهج ذاته، وكذلك فعلت بريطانيا وفرنسا والصين.
وبالفعل، قلصت الولايات المتحدة وروسيا الحجم الإجمالي لترساناتهما الاستراتيجية، وقامتا بإزالة آلاف الرؤوس النووية (وكان معظمها قد تجاوز بالفعل عمره الافتراضي). ولمنع الأسلحة من الحقبة السوفيتية من الوقوع في أيدي دول أخرى أو جماعات إرهابية، اتفقت موسكو وواشنطن على إزالة الأسلحة النووية الصغيرة المخصصة لساحات القتال من الميدان، ومن الغواصات، والسفن السطحية.
كما وقّعت الدولتان اتفاقيات، كل عقد تقريباً، لزيادة الشفافية بشأن ترساناتهما، ولتحديد سقف لعدد الأسلحة طويلة المدى التي يمكن لكل منهما نشرها. وكانت مراسم التوقيع والخطابات تطمئن شعبيهما والعالم بأن التهديد النووي في طريقه إلى الزوال. لكن، في الوقت نفسه، استمرت كل دولة نووية في التخطيط والاستعداد لخوض حرب نووية، بل إن بعض الأسلحة التي كان من المفترض أن تُلغى أُبقيت، أو استُبدلت بنماذج أحدث.
وقد بدأت حقبة التعاون القصيرة بين الولايات المتحدة وروسيا بالتآكل في عدة نقاط تحول محورية، مثل:
انسحاب الرئيس جورج دبليو بوش من معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية (ABM) عام 2002. وإدانة بوتين الغاضبة للغرب في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007. وكذلك انتهاك روسيا لمعاهدة القوات النووية المتوسطة المدى (INF)، وما تبعه من انسحاب أميركي منها. وأخيراً واستيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم عام 2014.
أدى تصاعد الترسانة النووية الصينية، والغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، وتكرار التهديدات النووية، إلى مطالبة العديد من الأصوات بتعزيز الترسانة النووية الأميركية، وربما زيادتها. ومن المرجح أن يقوم ترامب بالإسراع في هذا التوجه.
وبدون معاهدات سارية، أو قيود قانونية، أو اتفاقات متبادلة لتحديد سقف للقوات النووية، فإن بإمكان الولايات المتحدة وروسيا مضاعفة عدد الأسلحة النووية المنشورة خلال عام أو عامين فقط ،من دون الحاجة لصنع سلاح جديد واحد. يمكن لكل منهما سحب مئات الرؤوس من المخازن، وإعادة نشرها على صواريخ، وقاذفات، وغواصات. وستكون مثل هذه التحركات مرصودة بسهولة من خلال صور الأقمار الصناعية التجارية، ومصادر استخباراتية سرية.
وقد تؤدي الضغوط المتبادلة للإسراع بإعادة نشر الأسلحة ، إلى جانب الشك المتبادل بأن الطرف الآخر يسعى للتفوق النووي، إلى تهديدات أو إنذارات نووية. وفي أوقات الأزمات، قد تقود هذه التطورات إلى نزاع نووي فعلي.
بينما تتواصل عمليات الحشد ، أصبحت الدول أكثر تكتماً بشأن ترساناتها النووية. ففي إدارة ترامب الأولى، تراجعت الولايات المتحدة عن قرابة عقد من إجراءات الشفافية، ورفضت إزالة السرية عن حجم مخزونها النووي ، وهو إجراء كان يُمارس سنوياً في عهد باراك أوباما. وسرعان ما اتبعت بريطانيا نفس النهج، في خطوة غير معتادة من واحدة من أكثر الدول النووية شفافية.
كانت الاتفاقيات السابقة للسيطرة على الأسلحة ،ومنها معاهدة “نيو ستارت” New START تتضمن إجراءات شفافية تلزم الدول بتبادل البيانات حول قواتها النووية، إلى جانب آليات تحقق ومراقبة. لكن جميع تلك الآليات إما تم التخلي عنها أو أوشكت على الانتهاء.
عصر خفض الأسلحة النووية انتهى
كل دولة نووية اليوم تقوم إما بتحديث منظوماتها، أو توسيع ترسانتها، أو كليهما معاً. وهكذا تبدأ سباقات التسلح: كل دولة تتخذ خطوة ترى أنها ضرورية لسد نقطة ضعف ما، بينما تنظر الدول الأخرى إلى تلك الخطوة بارتياب أو خوف، مما يدفعها لاتخاذ إجراءاتها الخاصة.
والنجاة في هذا العصر النووي الجديد تتطلب انتباهاً مستمراً، وواعياً، من القادة، وصناع السياسات، والمواطنين المنخرطين على حد سواء، لكن الحصول على هذا الانتباه أصبح أصعب من أي وقت مضى، في ظل تعدد التهديدات العالمية التي تتنافس على جذب الاهتمام والتحرك ،من تغير المناخ، إلى الأوبئة العالمية، إلى تزايد عدم المساواة، والهجرة الجماعية. ومع ذلك، لا يشكل أي من هذه التهديدات خطر الفناء المفاجئ والشامل للحضارة البشرية كما تفعل الأسلحة النووية.
هل من أمل؟
في أوائل الثمانينيات، خرج مئات الآلاف إلى الشوارع في أوروبا والولايات المتحدة للمطالبة بتجميد الترسانات النووية. وقد ساعدت هذه الحركات الجماهيرية، إلى جانب رؤية كل من رونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف، في إنهاء آخر سباق تسلح.
وبدون ضغط شعبي متجدد، أو إرادة سياسية، سيُحكم على العالم بأن يظل يعيش تحت ظل الإبادة النووية.




