تريندمجتمع نبضمنوعات

اتجاه جديد في السينما: أبناء الغرب الأمريكي المحبطون

ترجمة – نبض الشام

يسلّط فيلم “Good One” الضوء على علاقة أب بابنته خلال رحلة سيراً على الأقدام في جبال كاتسكيل، ويكشف الفيلم عن نوع سينمائي جديد بمعزل عن النمط الغرب الأمريكي التقليدي.

لم يعد هناك مكان للهروب
لم تعد السينما الأمريكية تتّسع للهروب. فالمساحات الشاسعة تنكمش يوماً بعد يوم. الغابات التي كانت يوماً منيعة مزقت لعمليات قطع الأخشاب، والسهول تحوّلت إلى حقول فول صويا ومراكز تسوق. أما الجبال، فصارت ممراتها في الصيف تزدحم كأنها محطة “غراند سنترال”.

الرحّالة الوحيد بات يحيّي بارتباك بقية “أقرانه”، ويخيم كل مساء في موقعه. لم تعد الولايات المتحدة موطناً “تجوب فيه الجواميس”، وإذا لم يعد هناك مكان للفرار، فلا مفر إذن من المواجهة.

“Good One” – الهروب المستحيل في البرية الحديثة
في أول أفلامها الطويلة، ترسم المخرجة وكاتبة السيناريو إنديا دونالدسون لوحة دقيقة لأزمة الحياة البرية في أمريكا المعاصرة، من خلال قصة ثلاثة متنزهين في رحلة نهاية أسبوع بجبال كاتسكيل. الفيلم مليء بالطحالب والجبال والنجوم، لكنه كذلك مكتظ بالسيارات والسياح والهواتف التي تستقبل رسائل كلما وصل أصحابها إلى قمة وحصلوا على إشارة.

تلعب الممثلة الصاعدة ليلي كولياس دور سام، مراهقة ترافق والدها الودود (جيمس لو غروس) وصديقه مات (داني مكارثي) إلى الغابة، لكنها تندم على القرار. فالوالد يهرب من ضغوطات العمل، أما مات، فهو في حالة هروب مذل من زواجه. في المساء، يسلّي الرجلان نفسيهما بقصص مرعبة حول الطلاق والخيانة. أما سام، فنظراتها تقول لا تطيق الانتظار للعودة إلى شقتها في بروكلين.

البرية كملاذ… ونوع سينمائي مزدهر
مع تزايد الإقبال على السياحة البرية، لا عجب أن تنتعش الأفلام التي تدور حولها.، وفيلم “GooD One” ينضم إلى سلسلة من الأعمال الناشئة المزدهرة التي تحوي تلك الشخصيات التي تربط أحذيتها وتجهّز طارد الحشرات، لتحاول – بيأس أو بإصرار – الهروب إلى أحضان الطبيعة، من بينها “Wild” بطولة ريس ويذرسبون، و”Old Joy”  لكيللي رايشاردت، و”Into the Wild”  للمخرج شون بن، حيث ألاسكا، تلك الأرض المنعزلة التي تعجّ بالدببة أكثر من البشر، تبقى وجهة مفضلة لهؤلاء الهاربين ، وهي الوجهة القادمة لوالد سام بعد مغامرة كاتسكيل.

أبناء الغرب الأمريكي… الحالمون بخلاص لم يعد موجوداً
هذا النوع الجديد من الأفلام يبدو كأنه امتداد لأفلام الغرب الأمريكي الكلاسيكية المليئة بالإحباط واليأس. كأعمال جون فورد وهوارد هوكس “رغم كونها في أفضل أحوالها خيالاً، وفي أسوأها تزييفاً للحقائق”، لكنها ظهرت في فترة زمنية كان فيه الأفق لا يزال يبدو مفتوحاً. صورة راعي البقر الانفرادي الشجاع قدّمت نموذجاً رومانسياً سمح للكثيرين بأن يروا أنفسهم أبطالاً في ملحمة لا تشبه واقعهم.

لذا فإن المتجوليين في”Nomadland” يقدّمون أنفسهم كأبطال الغرب، حتى وإن كان “البراري” في واقعهم لا تتعدى مواقف المقطورات ومستودعات أمازون. أما أبطال “Good One”، فهم مجرد موظفين من المدينة يتظاهرون بأنهم لويس وكلارك*، قبل أن يعودوا إلى مكاتبهم يوم الاثنين.

الهروب من العالم لا يعني التحرر منه
من أبرز أمثلة هذا الاتجاه فيلم “Leave No Trace” من إخراج ديبرا غرانك، الذي يتناول حياة أب وابنته اختاروا العيش خارج النظام في غابة قريبة من بورتلاند، أوريغون. عنوان الفيلم مستوحى من تعليمات هيئة الحدائق الوطنية: “ما تأخذه معك، أعده معك”، وهي قاعدة تنطبق تماما على أبطال هذه الأعمال. الأب، في “Leave No Trace”، جندي سابق يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة. والمشردون في “Nomadland” يهربون من أزمات مالية خانقة، رغم تمسكهم بحلم “أمريكا الجديدة”، إلا أنهم يكتشفون أن البرية لم تعد برية، وأن الطبيعة لا تداوي الجراح.

على عكس رعاة البقر القدامى الذين “كانوا يتجهون نحو شيء”، فإن أحفادهم في هذه الأفلام غالباً ما “يهربون من شيء” لا يفارقهم.

الحرية التي لا تُطاق
إذا كانت الرحلة إلى كاتسكيل تُعد مغامرة هروبية، فإن فيلم “Good One” هو بدوره فيلم “هروبي”، لكنه لا يمنح نشوة التحرر، بل يُسلّط الضوء على عبث محاولة الفرار، عمل صامت، متأمل، ينصت لهمس الرياح و”فرقعة” نيران المخيم. لكن في جوهره قصة عن ثقل الحياة التي لا يمكنك تركها وراءك.

في مشهد رمزي، تراقب سام والدها وصديقه وهما يرزحان تحت ثقل حقيبتيهما “تلك الأمتعة التي حملوها معهم، وسيتعيّن عليهم حملها في طريق العودة”. الأمر لا يتعلق فقط بالحقائب، بل بالماضي، بالهروب الذي لا يكتمل، بالحمل الذي يعود أثقل مما كان.

*لويس وكلارك” (Lewis and Clark) يشير إلى ميريويذر لويس (Meriwether Lewis) وويليام كلارك (William Clark)، اللذين قادا بعثة لاستكشاف المناطق الغربية من أمريكا الشمالية في الفترة من 1804 إلى 1806. كانت هذه البعثة جزءاً من مشروع أكبر يهدف إلى مسح الأراضي الجديدة التي اشترتها الولايات المتحدة من فرنسا (شراء لويزيانا) وتحديد طرق للوصول إلى المحيط الهادئ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى