الذكاء الاصطناعي يغيّر الإنترنت.. ماذا ينتظر المواقع؟

اعتاد مستخدمو الإنترنت على كتابة كلمات قليلة في محركات البحث، ثم الانتقال بين عشرات النتائج والروابط للوصول إلى المعلومة المطلوبة. لكن هذه العادة بدأت تتغير مع ظهور أدوات ذكاء اصطناعي قادرة على تنفيذ عمليات البحث نيابة عن المستخدم، وقراءة مصادر متعددة، ومقارنة المعلومات، ثم تقديم إجابة مباشرة ومختصرة.
ولا يقتصر هذا التحول على تغيير طريقة البحث عن المعلومات، بل يطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل الإنترنت نفسه، وما الذي سيحدث للمواقع عندما يصبح المستخدم أقل حاجة إلى زيارتها مباشرة.
إجابة بدلاً من قائمة روابط
اعتمد الإنترنت على مدى عقود نموذجاً بسيطاً نسبياً، يقوم على بحث المستخدم عن معلومة، ثم عرض محرك البحث مجموعة من النتائج التي تقوده إلى المواقع التي تقدم المحتوى.
لكن أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة تعمل بطريقة مختلفة، إذ تستطيع تفكيك السؤال إلى مجموعة من عمليات البحث، والوصول إلى مصادر متعددة، ثم تلخيص المعلومات وربطها قبل تقديم إجابة واحدة للمستخدم.
وبذلك يتحول الذكاء الاصطناعي تدريجياً إلى طبقة وسيطة بين المستخدم والويب، بدلاً من اقتصار دور محرك البحث على توجيه المستخدم إلى المواقع.
هل تتراجع الزيارات؟
قد تكون حركة الزيارات من أكثر الجوانب تأثراً بهذا التحول. فإذا حصل المستخدم على إجابة متكاملة داخل أداة الذكاء الاصطناعي، فقد تقل حاجته إلى النقر على الروابط التي جرى الاعتماد عليها للوصول إلى تلك الإجابة.
ويمثل ذلك تحدياً للمواقع التي تعتمد على زيارات محركات البحث في تحقيق إيرادات من الإعلانات، أو جذب المشتركين، أو بيع المنتجات والخدمات.
ومع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة اختفاء المواقع، إذ تظل المعلومات الأصلية بحاجة إلى مصادر تنتجها، كما قد يحتاج المستخدم إلى الوصول إلى المصدر الكامل عند التعامل مع قرارات مهمة، أو تقارير متخصصة، أو بيانات تفصيلية.
لكن التغيير الأبرز قد يكمن في طبيعة العلاقة بين الموقع والقارئ، إذ يمكن أن تصل المعلومة إلى المستخدم عبر الذكاء الاصطناعي أولاً، بينما يأتي الرجوع إلى المصدر في مرحلة لاحقة، أو قد لا يحدث على الإطلاق.
نموذج اقتصادي تحت الاختبار
يفتح هذا التحول أيضاً سؤالاً اقتصادياً حول كيفية استمرار المواقع في تمويل إنتاج المحتوى إذا تراجعت الزيارات القادمة من محركات البحث التقليدية.
فعلى مدى سنوات، قامت نسبة كبيرة من اقتصاد الإنترنت على معادلة واضحة: محتوى يجذب الزيارات، والزيارات تتحول إلى إعلانات أو اشتراكات أو عمليات شراء.
لكن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تختصر المسافة بين المحتوى والمستخدم، ما يمكن أن يجعل القيمة التجارية للمواقع مرتبطة بدرجة أكبر بقدرتها على إنتاج معلومات أصلية وموثوقة يصعب استبدالها بملخص آلي.
وقد يدفع ذلك المؤسسات الإعلامية والمواقع المتخصصة إلى زيادة التركيز على التحقيقات والبيانات والخبرات والمعلومات الحصرية، بدلاً من الاعتماد على محتوى يمكن تلخيصه بسهولة.
من «ابحث وانقر» إلى «اطلب واحصل»
قد يمتد التغيير إلى طبيعة الإنترنت نفسها. فقد جعلت محركات البحث الوصول إلى مليارات الصفحات ممكناً من خلال كلمات مفتاحية، بينما يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي أن يجعلوا الوصول إلى هذه المعلومات أكثر اعتماداً على الأسئلة الطبيعية والمهام المحددة.
فبدلاً من أن يطلب المستخدم البحث عن أفضل الخيارات ثم يتولى المقارنة بنفسه، يمكنه مستقبلاً تكليف وكيل ذكي بإجراء البحث، ومقارنة النتائج، واستخلاص الخيارات المناسبة، وربما تنفيذ الخطوة التالية أيضاً.
ومع اتساع هذا النموذج، قد ينتقل الإنترنت تدريجياً من عصر «ابحث ثم انقر» إلى عصر «اطلب ثم احصل على النتيجة».
لكن هذا التحول يضع تحدياً جوهرياً أمام منظومة الويب، يتمثل في الحفاظ على تدفق الإيرادات إلى المصادر التي تنتج المعلومات، في وقت قد تصبح فيه واجهة الذكاء الاصطناعي هي النقطة الرئيسية التي يلتقي فيها المستخدم بالمعلومة.
وبينما قد يجعل الذكاء الاصطناعي الوصول إلى المعلومات أسرع وأسهل، فإن مستقبل الإنترنت سيتوقف جزئياً على كيفية إعادة توزيع القيمة بين المستخدم، وأدوات الذكاء الاصطناعي، والمواقع التي تنتج المحتوى الأصلي.




