«ليلة التمرد» تهز النيجر.. هل تتصدع كونفدرالية الساحل؟

كشف التمرد الذي شهدته النيجر يومي 28 و29 أغسطس/ آب عن تحديات تواجه كونفدرالية دول الساحل الأفريقي، التي تضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو، في تحويل مشروع الدفاع المشترك إلى قوة عسكرية قادرة على التدخل الفعلي عند وقوع أزمات داخلية.
وللمرة الثالثة منذ بداية العام، تعرضت قاعدة نيامي الجوية 101 لهجمات متكررة، وهي القاعدة التي تضم مقر قيادة القوة الموحدة التابعة للتحالف، من دون مشاركة مباشرة من هذه القوة في التصدي للهجمات.
ووقع الهجوم الأخير ليلة 28-29 أغسطس/ آب، عندما استهدف متمردون من القوات الخاصة التابعة للجيش النيجري القصر الرئاسي ومحطة التلفزيون الوطنية، إضافة إلى القاعدة القريبة من مطار العاصمة الدولي.
ومثلما حدث خلال هجومين سابقين في يناير/ كانون الثاني ويونيو/ حزيران، اعتمد رئيس المجلس العسكري في النيجر عبد الرحمن تياني على وحدات من القوات المسلحة الوطنية الموالية له، إلى جانب تدخل عناصر روسية تابعة للفيلق الأفريقي الموجودة في القاعدة.
وينص ميثاق ليبتاكو-غورما، الذي أسست بموجبه الدول الثلاث تحالفها في سبتمبر/ أيلول 2023، على التعاون في مكافحة التطرف والجريمة المنظمة، كما يتعهد الأعضاء بمنع وإدارة وتسوية أي تمرد مسلح أو تهديد يطال السلامة الإقليمية والسيادة لأي دولة عضو.
وكانت الحكومة النيجرية قد وصفت التمرد بأنه محاولة لزعزعة استقرار البلاد، ما أثار تساؤلات حول أسباب عدم تفعيل القوة المشتركة التابعة للتحالف.
لماذا لم تتدخل القوة المشتركة؟
تواجه القوة الموحدة لدول الساحل، التي يفترض أن تشكل ذراعاً عسكرية للكونفدرالية، تحديات تتعلق بالعدد والتجهيز والجاهزية العملياتية.
ولا يضم مقر القيادة في قاعدة 101 سوى عدد محدود من الموظفين المسؤولين عن مهام القيادة والتخطيط والاستخبارات والاتصال والتنسيق، فيما لم تصل القوة الميدانية بعد إلى الحجم المستهدف عند الإعلان عن تشكيلها.
وكان الهدف الأولي يتمثل في حشد نحو 5000 جندي، قبل رفع الرقم لاحقاً إلى 6000 جندي، ثم طرح هدف جديد يقضي بالوصول إلى نحو 15 ألف جندي.
لكن وجود القوة في نيامي لا يعني إمكانية نشرها تلقائياً داخل الأراضي النيجرية عند وقوع أزمة. فالميثاق يشترط اتخاذ قرار جماعي من قادة الدول الأعضاء، ما يعني أن نشر القوة يحتاج إلى موافقة قادة مالي وبوركينا فاسو إلى جانب قيادة النيجر.
كما أن استجابة القوات الوطنية النيجرية للهجوم، إلى جانب الدعم الروسي المباشر، ربما قللت من الحاجة إلى تفعيل القوة المشتركة بصورة رسمية خلال الأحداث الأخيرة.
أولويات عسكرية مختلفة
رغم اعتماد مبدأ الدفاع المشترك، تواجه الدول الثلاث تحديات أمنية مختلفة، ما ينعكس على أولوياتها العسكرية.
وتدفع النيجر باتجاه تعزيز الانتشار العسكري في منطقة الحدود المشتركة، خصوصاً في تيلابيري، التي تشهد نشاطاً مسلحاً وضغوطاً أمنية متواصلة.
في المقابل، تركز مالي على مواجهة جماعات مسلحة تنشط في مناطق عدة من البلاد، ما يجعل احتياجاتها العسكرية الداخلية أولوية بالنسبة إلى قيادتها.
أما بوركينا فاسو، فتبدو أكثر اهتماماً بتفعيل القوة المشتركة على الأرض، وقد بدأت خطوات لتشكيل وحدة عسكرية يمكن إرسالها إلى النيجر للمشاركة في عمليات مشتركة.
ويعكس هذا التباين صعوبة التوفيق بين الاحتياجات الأمنية لكل دولة وبين بناء قوة إقليمية موحدة قادرة على التحرك بسرعة عند تعرض إحدى الدول الأعضاء لتهديد.
تداعيات التباطؤ
أظهرت أحداث أواخر أغسطس/ آب فجوة بين الالتزامات السياسية التي أعلنتها دول الساحل وبين قدرتها الحالية على ترجمة تلك الالتزامات إلى تحرك عسكري سريع.
ورغم الإعلان عن تشكيل هيكل القيادة وتحديد أهداف واضحة لحجم القوة، لم تتمكن القوة المشتركة من التدخل خلال أزمة داخلية في إحدى الدول الأعضاء.
وكانت القوة قد قُدمت منذ تأسيسها باعتبارها وسيلة لتعزيز اعتماد مالي والنيجر وبوركينا فاسو على قدراتها الذاتية في المجال الأمني، وتقليص الحاجة إلى الدعم الخارجي.
لكن أحداث النيجر أظهرت استمرار أهمية الشركاء الخارجيين، ولا سيما روسيا، في التعامل مع الأزمات الأمنية، في انتظار اكتمال بناء القوة المشتركة وتحديد آليات اتخاذ القرار ونشر القوات.
وبذلك، لا يقتصر التحدي أمام كونفدرالية الساحل على تشكيل قوة عسكرية كبيرة، بل يشمل أيضاً ضمان جاهزيتها، وتوحيد أولوياتها، ووضع آلية واضحة وسريعة لاتخاذ قرارات التدخل عند تعرض إحدى دولها لتهديد.




