من المخافر إلى السجون.. من يراقب الانتهاكات في سوريا؟

أعادت قضية الشاب محمد غميرة في مخفر الحفة بريف اللاذقية النقاش حول آليات الرقابة على أماكن الاحتجاز والتحقيق في سوريا، ومدى قدرة المؤسسات الأمنية والقضائية على ضمان حقوق الموقوفين ومنع إساءة معاملتهم.
وكانت قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية أعلنت فتح تحقيق في ملابسات القضية والإجراءات التي اتُخذت بحق غميرة خلال فترة توقيفه، مؤكدة التزامها بحماية حقوق الموقوفين وفق القانون.
وتعيد القضية طرح مسألة علنية العدالة بوصفها إحدى أدوات تعزيز المساءلة، من خلال إعلان نتائج التحقيقات والإجراءات القانونية والأحكام النهائية، مع الحفاظ على حقوق الضحايا وقرينة البراءة، بما يضمن ألا تبقى الانتهاكات داخل المؤسسات الأمنية بعيدة عن الرقابة.
مدونة سلوك أمام اختبار التطبيق
أصدرت وزارة الداخلية السورية خلال الفترة الماضية مدونة سلوك موجهة إلى منتسبيها، تضمنت مجموعة من القواعد المتعلقة باحترام القانون وكرامة المواطنين، وحظرت التعذيب والمعاملة المهينة للموقوفين.
وأكدت المدونة أن الخدمة الأمنية ترتبط بالالتزام بالقوانين والأنظمة، وشددت على ضرورة التعامل مع المواطنين باحترام وحياد، والاستجابة لنداءات الاستغاثة دون تمييز.
كما تضمنت مبادئ تتعلق بحماية الموقوفين وتنظيم عمليات القبض والتحقيق، وعدم اعتبار أوامر الرؤساء مبرراً لارتكاب الانتهاكات.
لكن تطبيق هذه المبادئ يبقى مرتبطاً بوجود آليات واضحة للمراقبة والتحقيق والمحاسبة، خصوصاً في الحالات التي تتضمن ادعاءات بالتعذيب أو سوء المعاملة.
ماذا حدث في مخفر الحفة؟
تداولت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لغميرة من داخل مستشفى في اللاذقية، وسط معلومات عن تعرضه للضرب خلال فترة توقيفه في مخفر الحفة.
وبحسب ما نقلته عائلته، فقد احتُجز لنحو ثلاثة أيام على خلفية شكوى مالية، قبل أن يصدر قرار قضائي بالإفراج عنه. وقالت العائلة إنه خرج من المخفر وهو يعاني من نزيف داخلي وإصابة في الرأس.
وأفادت العائلة أيضاً بأن غميرة يعاني من اضطراب في تخثر الدم، وأنها أبلغت عناصر المخفر بوضعه الصحي وطلبت التعامل معه بحذر.
وتبقى هذه الروايات موضع تحقيق رسمي لتحديد ملابسات الواقعة والمسؤوليات المرتبطة بها.
من القبض إلى التحقيق.. أين تبدأ الرقابة؟
تتطلب حماية الموقوفين، وفق المعايير القانونية، وجود ضمانات تبدأ منذ لحظة القبض، بينها تسجيل وقت التوقيف والجهة التي نفذته ومكان الاحتجاز، وإبلاغ الشخص بسبب توقيفه، وتمكينه من التواصل مع عائلته ومحاميه.
كما تبرز أهمية تسجيل جلسات التحقيق بالصوت والصورة، وحفظ التسجيلات لدى جهة قضائية مستقلة، إلى جانب إجراء فحوص طبية مستقلة عند دخول الموقوف إلى مكان الاحتجاز وخروجه منه أو عند ظهور أي مؤشرات على تعرضه للأذى.
ومن الضمانات الأساسية أيضاً عرض الموقوف على قاضٍ في أقرب وقت ممكن، بما يسمح بمراجعة قانونية أسباب احتجازه والتحقق من سلامة الإجراءات المتخذة بحقه.
ماذا يقول القانون السوري؟
شهد التشريع السوري خلال السنوات الماضية تعديلات تتعلق بتجريم التعذيب وتشديد العقوبات المرتبطة به.
وينص القانون رقم 16 لعام 2022 على تجريم التعذيب بأشكاله المختلفة، بما يشمل إحداث الألم الجسدي أو النفسي أو التحريض عليه أو الموافقة عليه.
وتختلف العقوبات بحسب ظروف الجريمة ونتائجها، مع تشديدها في حالات معينة، بينها ارتكاب التعذيب من موظف أو وقوعه تحت إشرافه، أو تسببه بإعاقة دائمة أو وفاة، وفقاً لنصوص القانون.
كما يتضمن التشريع أحكاماً تتعلق بحماية المشتكين والشهود، إلا أن فعالية هذه النصوص ترتبط بوجود إجراءات عملية ومستقلة تضمن التحقيق في الادعاءات ومحاسبة المسؤولين عنها.
المشكلة لا تتعلق بالنصوص وحدها
تواجه عملية إصلاح أماكن الاحتجاز تحدياً يتجاوز إصدار القوانين والتعليمات، إذ تتطلب بناء نظام واضح يحدد المسؤولية عن كل مرحلة من مراحل الاحتجاز.
ويشمل ذلك معرفة الجهة التي نفذت القبض، والمسؤول عن النقل والحراسة، والمحقق الذي أجرى الاستجواب، والجهة التي أصدرت قرار الاحتجاز أو سمحت باستمراره.
ويساعد إنشاء سجل مركزي وفوري للموقوفين على منع الاحتجاز خارج الأماكن الرسمية، ويجعل عملية التتبع والمساءلة أكثر وضوحاً.
كما أن تعدد الجهات المشرفة على أماكن الاحتجاز أو السماح بالتحقيق في مواقع غير معلنة يزيد من صعوبة تحديد المسؤوليات ويضعف الرقابة القضائية.
كيف يمكن الحد من الانتهاكات؟
يتطلب ضبط الانتهاكات داخل المخافر ومراكز الاحتجاز مجموعة من الإجراءات العملية، أبرزها:
إنشاء سجل وطني موحد لجميع الموقوفين.
منع الاحتجاز والتحقيق في أماكن غير معلنة.
ضمان حق الموقوف في التواصل مع محاميه وعائلته.
إجراء فحوص طبية مستقلة وسرية.
تسجيل جلسات التحقيق بالصوت والصورة.
إخضاع أماكن الاحتجاز لرقابة قضائية مستقلة.
التحقيق الجنائي المستقل في ادعاءات التعذيب.
تدقيق سجل العاملين قبل التعيين والترقية.
تطوير أساليب التحقيق القائمة على الأدلة بدلاً من انتزاع الاعترافات.
نشر نتائج التحقيقات والأحكام النهائية في القضايا التي تثبت فيها الانتهاكات.
وتبقى مدونة السلوك خطوة أولى في بناء قواعد جديدة لعمل الأجهزة الأمنية، لكن فعاليتها ستقاس بمدى الالتزام بها، وبقدرة المؤسسات القضائية والرقابية على كشف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
وفي هذا السياق، لا تعني علنية العدالة التشهير بالموقوفين أو المتهمين، وإنما ضمان أن تكون إجراءات التحقيق والمحاسبة قابلة للتتبع، وأن يعرف المجتمع نتائج القضايا التي تمس حقوق الإنسان، بما يعزز الثقة بالقانون ويحد من فرص الإفلات من العقاب.




