نتنياهو يعيد رسم خريطة الليكود

تصاعد حدة التوتر داخل حزب الليكود الحاكم في إسرائيل، على وقع تحركات يقودها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لإعادة تشكيل القائمة الانتخابية للحزب قبل الانتخابات المقبلة، في خطوة أثارت اعتراضات واسعة بين قيادات وأعضاء يرون أنها تهدف إلى إحكام سيطرته على تركيبة الكتلة البرلمانية المقبلة وإبعاد شخصيات بارزة من المراكز المتقدمة.
ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مسؤولين ومصادر داخل الليكود قولهم إن نتنياهو يسعى إلى زيادة عدد المقاعد المضمونة التي يملك حق اختيار مرشحيها بصورة مباشرة، بما يمنحه نفوذًا غير مسبوق على هوية المرشحين الذين سيشغلون المواقع المتقدمة في قائمة الحزب.
وقال أحد المصادر للصحيفة إن نتنياهو يعيش حالة من القلق الشديد بسبب نتائج استطلاعات الرأي، ويعتقد أن إجراء تغيير جذري في القائمة الانتخابية يمثل السبيل الوحيد لقلب المشهد وتحسين فرص الليكود في الانتخابات.
وتشير الاستطلاعات الأخيرة إلى صعوبة احتفاظ معسكر نتنياهو بالأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة المقبلة عقب الانتخابات المقررة في تشرين الأول، إذ لا يزال المعسكر بعيدًا عن عتبة 61 مقعدًا المطلوبة لضمان أغلبية داخل الكنيست المؤلف من 120 عضوًا.
وبحسب «يديعوت أحرونوت»، يطالب نتنياهو بتخصيص ما بين 10 و11 مقعدًا مضمونًا له داخل قائمة الليكود، من بينها مواقع متقدمة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع عدد من الوزراء والنواب والقيادات الحزبية البارزة أو إقصائهم من مواقعهم الحالية.
وأثارت هذه التحركات استياءً واسعًا داخل الحزب، إذ اتهم مسؤول رفيع في الليكود نتنياهو بشن ما وصفه بـ«حملة لتصفية كتلة الليكود البرلمانية»، معتبرًا أن الخطة تستهدف شخصيات وقفت إلى جانبه ودافعت عنه خلال السنوات الماضية.
ويرى المعترضون أن منح نتنياهو عددًا كبيرًا من المقاعد المضمونة سيقلص تأثير الانتخابات الداخلية ويحد من قدرة أعضاء الحزب على اختيار ممثليهم، ويحوّل القائمة إلى أداة أكثر ارتباطًا برئيس الحزب وحساباته السياسية والشخصية.
في المقابل، ينظر مؤيدو نتنياهو إلى إعادة تشكيل القائمة باعتبارها محاولة لضخ وجوه جديدة، واستعادة الناخبين الذين ابتعدوا عن الليكود، وتقديم فريق قادر على مواجهة المعارضة في ظل التراجع الذي تظهره استطلاعات الرأي.
ومن المقرر أن تعقد لجنة الدستور في الليكود اجتماعًا حاسمًا الأحد المقبل، بحضور نتنياهو، لمناقشة آلية الانتخابات الداخلية وعدد المقاعد المضمونة ومواقعها، قبل رفع القرار إلى مركز الحزب للتصويت النهائي.
ويكتسب الاجتماع أهمية كبيرة، لأنه قد يحدد شكل المعركة الداخلية داخل الليكود، ويكشف حجم قدرة نتنياهو على تمرير التعديلات التي يريدها، في مواجهة تيار حزبي يخشى خسارة مواقعه ونفوذه داخل القائمة المقبلة.
ولا تقتصر الضغوط التي يواجهها نتنياهو على الخلافات داخل الليكود، إذ يسابق الوقت أيضًا لاستكمال سلسلة من الالتزامات التشريعية التي قطعها لشركائه في الائتلاف الحاكم قبل الذهاب إلى الانتخابات العامة.
وتعمل الحكومة على تمرير 7 مشاريع قوانين تعتبرها أحزاب الائتلاف أولوية سياسية، بينما تتهم المعارضة نتنياهو بالسعي إلى استغلال ما تبقى من عمر الكنيست لفرض أجندة تشريعية مثيرة للانقسام، وضمان بقاء حلفائه إلى جانبه حتى موعد الانتخابات.
ويبرز في مقدمة هذه المشاريع قانون إعفاء طلاب المدارس الدينية اليهودية من الخدمة العسكرية، وهو مطلب أساسي للأحزاب الدينية المتشددة التي لوّحت مرارًا بالانسحاب من الائتلاف إذا لم يتم التوصل إلى صيغة تلبي مطالبها.
ويشكّل هذا القانون أحد أكثر الملفات حساسية داخل المجتمع الإسرائيلي، في ظل اعتراض فئات واسعة على استمرار إعفاء طلاب المدارس الدينية، والمطالبة بتوزيع أعباء الخدمة العسكرية بالتساوي، خصوصًا مع استمرار التحديات الأمنية واتساع الحاجة إلى الجنود والاحتياط.
ويسعى نتنياهو من خلال تمرير القانون إلى الحفاظ على تماسك تحالفه مع الأحزاب الدينية، التي تمثل عنصرًا أساسيًا في معسكره السياسي، إلا أن أي صيغة واسعة للإعفاء قد تزيد الانتقادات داخل الليكود وتدفع مزيدًا من الناخبين الوسطيين إلى دعم المعارضة.
كما يدفع الليكود نحو إقرار تعديلات واسعة في قطاع الإعلام، تشمل إعادة هيكلة منظومة تنظيم البث التلفزيوني والإذاعي والمنصات الرقمية.
وتقول الحكومة إن هذه الخطوات تهدف إلى تعزيز المنافسة وإزالة القيود التنظيمية، فيما تتهمها المعارضة بالسعي إلى توسيع نفوذها على وسائل الإعلام، وإضعاف المؤسسات والجهات التي تتخذ مواقف ناقدة من نتنياهو وحكومته.
وفي الإطار نفسه، يناقش الائتلاف مشروعًا لإعادة تنظيم صلاحيات المستشار القانوني للحكومة والمدعي العام للدولة، وسط اتهامات معارضة بأن المشروع يشكل امتدادًا لمحاولات إضعاف المؤسسات القضائية والرقابية وتقليص قدرتها على محاسبة السلطة التنفيذية.
وتعيد هذه المشاريع إلى الواجهة الانقسام الإسرائيلي حول العلاقة بين السلطتين السياسية والقضائية، وحدود صلاحيات الحكومة، وقدرة المؤسسات الرقابية على التدخل في القرارات والتشريعات التي تُعد مخالفة للقواعد القانونية أو الدستورية.
ويتزامن التوتر داخل الليكود مع نتائج استطلاع جديد أظهر تقدم حزب «يشار» المعارض، بزعامة رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، على حزب الليكود للمرة الأولى.
ووفق الاستطلاع الذي نشرته صحيفة «معاريف»، يحصل حزب «يشار» على 22 مقعدًا في حال جرت الانتخابات حاليًا، مقابل 21 مقعدًا لليكود، في نتيجة تعكس تحولًا لافتًا في اتجاهات الناخبين.
وتتوافق هذه النتيجة مع استطلاع آخر نشرته القناة 13 الإسرائيلية، وأظهر تقدمًا مماثلًا للمعارضة، ما يزيد الضغوط على نتنياهو ويدفعه إلى البحث عن تغييرات سياسية وحزبية قادرة على وقف تراجع الليكود.
وبحسب استطلاع «معاريف»، يحصل معسكر نتنياهو، الذي يضم الليكود وأحزاب اليمين والأحزاب الدينية الحليفة، على 49 مقعدًا فقط، مقابل 60 مقعدًا للأحزاب اليهودية المعارضة، فيما تحصل الأحزاب العربية على 11 مقعدًا.
وتعني هذه الأرقام أن معسكر نتنياهو يبقى بعيدًا بـ12 مقعدًا عن الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، في حين تقترب المعارضة اليهودية من عتبة 61 مقعدًا من دون بلوغها بصورة كاملة.
كما أظهر الاستطلاع أن 38% من الإسرائيليين يعتبرون آيزنكوت الشخصية الأنسب لتولي رئاسة الحكومة، مقابل 24% لرئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينيت، في حين قال 38% إنهم لا يملكون موقفًا محددًا.
ويعكس صعود آيزنكوت رغبة لدى شريحة من الناخبين في البحث عن قيادة تمتلك خلفية عسكرية وأمنية، لكنها تقدم نفسها في الوقت نفسه بديلًا سياسيًا عن نتنياهو وعن الأحزاب التقليدية التي هيمنت على المشهد خلال السنوات الماضية.
ويواجه نتنياهو بذلك 3 معارك متزامنة: الأولى داخل الليكود بشأن شكل القائمة الانتخابية، والثانية داخل الائتلاف لتمرير القوانين المطلوبة من حلفائه، والثالثة أمام المعارضة التي بدأت تظهر تقدمًا في استطلاعات الرأي.
وتكمن خطورة الخلاف الداخلي في الليكود في أن محاولة إقصاء شخصيات بارزة قد تدفع بعضها إلى التمرد أو الانسحاب أو تشكيل أطر سياسية جديدة، ما قد يزيد انقسام اليمين بدل توحيده خلف نتنياهو.
كما أن توسيع المقاعد المضمونة قد يسمح لنتنياهو بوضع شخصيات شديدة الولاء له في مراكز متقدمة، لكنه قد يثير غضب القاعدة الحزبية التي تتمسك بحقها في تحديد هوية ممثلي الليكود عبر الانتخابات الداخلية.
وتأتي هذه التحركات في مرحلة انتخابية شديدة الحساسية، إذ يسعى نتنياهو إلى منع تحول التراجع في الاستطلاعات إلى مسار ثابت، بينما تحاول المعارضة استثمار الانقسامات داخل الليكود وتقديم نفسها بديلًا قادرًا على تشكيل حكومة جديدة.
وبين إعادة هندسة قائمة الليكود، ومحاولة تمرير القوانين الـ7، والحفاظ على الأحزاب الدينية داخل الائتلاف، يجد نتنياهو نفسه في سباق مع الوقت لتثبيت معسكره قبل الانتخابات، وسط مؤشرات متزايدة إلى أن المعركة المقبلة لن تكون فقط بين الائتلاف والمعارضة، بل داخل الليكود نفسه.




