الكبتاغون في سوريا الجديدة.. شبكات متناثرة ونفوذ يتجاوز الحدود

شهدت الخريطة الأمنية والسياسية في سوريا تحولًا كبيرًا عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، مع وضع الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع ملف مكافحة المخدرات في مقدمة أولوياتها.
ورغم إعلان السلطات الجديدة تحقيق نجاحات في تفكيك البنية الصناعية الكبرى لإنتاج مادة الكبتاغون، تشير المعطيات الميدانية إلى أن هذه التجارة لم تنتهِ، بل أعادت تنظيم نفسها وفق نموذج مختلف، انتقل من صناعة مركزية ارتبطت بشخصيات نافذة في النظام السابق إلى شبكات صغيرة ومتفرقة تعتمد على ما يشبه “الصناعة المنزلية” القادرة على التكيف والاختباء.
من الاحتكار المركزي إلى شبكات الإنتاج الصغيرة
على مدى أكثر من عقد، تحولت سوريا إلى مركز رئيسي لإنتاج وتصدير الكبتاغون في المنطقة، حيث ارتبطت هذه الصناعة بشبكات واسعة ذات حماية سياسية وأمنية، وحققت عائدات مالية ضخمة قدرت بمليارات الدولارات سنويًا.
وبعد سقوط النظام السابق، أطلقت السلطات الجديدة حملات أمنية استهدفت مواقع الإنتاج والتخزين، أسفرت عن ضبط مختبرات ومستودعات، وتنفيذ عشرات المداهمات، إضافة إلى توقيف عدد من الأشخاص المرتبطين بشبكات التهريب السابقة.
كما شهدت دول مجاورة، بينها لبنان، عمليات أمنية استهدفت معامل وشخصيات مرتبطة بتجارة المخدرات، ما وجه ضربات إلى بعض خطوط الإمداد التقليدية في المنطقة.
لكن هذه الإجراءات لم تؤدِّ إلى اختفاء النشاط بالكامل، إذ تشير تقارير مستقلة إلى استمرار وجود فجوات بين الأرقام الرسمية للمصادرات والبيانات الميدانية، مع تسجيل عمليات ضبط جديدة وملاحقات في مناطق مختلفة، ما يعكس انتقال التجارة من نموذج المصانع الكبرى إلى شبكات محلية أكثر صعوبة في الرصد.
الجنوب السوري.. ممرات جديدة للتهريب
يُعد الجنوب السوري، ولا سيما محافظتا درعا والسويداء، من أبرز مناطق عبور الكبتاغون باتجاه الأردن والأسواق الخليجية.
وفي درعا، أدى تكثيف الإجراءات الأمنية وتشديد الرقابة على المعابر إلى دفع بعض المهربين نحو مسارات بديلة، كان أبرزها محافظة السويداء، التي تمثل تحديًا أمنيًا معقدًا بسبب ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
ومع تراجع الحاجة إلى منشآت إنتاج ضخمة، بدأت عمليات التصنيع تعتمد بصورة أكبر على ورش صغيرة ومواقع محدودة الانتشار، ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة.
كما طورت شبكات التهريب أساليبها لتجاوز الرقابة، من خلال استخدام طرق إخفاء داخل شحنات تجارية وزراعية، وتغيير مسارات النقل، والاعتماد على وسائل تقنية حديثة في بعض عمليات التهريب، إضافة إلى استغلال طرق غير رسمية عبر الحدود.
ولم يعد النشاط مقتصرًا على التهريب الخارجي، إذ ظهرت أيضًا شبكات نقل داخلية تعتمد على حركة التنقل اليومية بين المحافظات لإيصال كميات صغيرة بعيدًا عن نقاط التفتيش الرئيسية.
الشمال الشرقي.. تقاطع التهريب مع ملفات أمنية أخرى
في شمال شرق سوريا، تتداخل تجارة الكبتاغون مع تعقيدات أمنية وسياسية أوسع، خصوصًا في المناطق الممتدة على الحدود العراقية والتركية.
وتشير تقارير إلى تصاعد انتشار المخدرات بين بعض الفئات في المنطقة، بالتزامن مع استغلال شبكات التهريب للتضاريس الوعرة والعلاقات العشائرية العابرة للحدود.
كما أفادت مصادر ميدانية بإعادة استخدام بعض الأنفاق والممرات القديمة التي أنشئت خلال سنوات الحرب لأغراض مختلفة، وتحويل بعضها إلى طرق سرية لنقل المواد غير المشروعة.
وفي المقابل، تعلن السلطات المحلية وقوات الأمن في المنطقة عن إحباط عمليات تهريب متكررة، بينما يتهم بعض السكان جهات محلية بالتورط في تسهيل مرور شحنات مقابل رشى، وهي اتهامات تعكس حجم التعقيد الذي يحيط بملف مكافحة المخدرات في مناطق النفوذ المتعددة.
اقتصاد الظل.. أرباح ضخمة وتحديات متزايدة
تكمن خطورة تجارة الكبتاغون في الفارق الكبير بين تكلفة الإنتاج والعائدات الناتجة عنها، ما يجعلها مصدر جذب للشبكات الإجرامية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
ومع انتقال الصناعة إلى نطاق أصغر وأكثر انتشارًا، أصبحت مواجهتها أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع محاولات بعض الشبكات خلط المواد المخدرة بمواد أخرى أو توسيع نشاطها ليشمل أصنافًا إضافية من المخدرات.
وتواجه الأجهزة الأمنية السورية تحديات كبيرة، من بينها نقص التجهيزات التقنية، مثل أجهزة الكشف المتطورة والمختبرات الجنائية وأنظمة المراقبة، رغم اتخاذ خطوات لتعزيز قدراتها وتطوير التعاون مع دول الجوار.
الحاجة إلى استراتيجية تتجاوز الحل الأمني
يرى خبراء ومؤسسات دولية أن تفكيك منظومة تجارة الكبتاغون التي تشكلت على مدى سنوات طويلة يتطلب وقتًا وجهدًا متواصلين، ولا يمكن تحقيقه عبر الحملات الأمنية وحدها.
ويؤكد هؤلاء أن مواجهة الظاهرة تحتاج إلى مقاربة شاملة تجمع بين تعزيز الرقابة الحدودية، وتطوير القدرات الأمنية، ومكافحة غسل الأموال، إلى جانب معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع بعض المناطق إلى الاعتماد على اقتصاد المخدرات.
وفي ظل استمرار هشاشة الأوضاع في عدد من المناطق السورية، يبقى التحدي الأكبر أمام الإدارة الجديدة هو منع تحول الكبتاغون من إرث لشبكات النظام السابق إلى اقتصاد ظل مستقل قادر على إعادة إنتاج نفسه داخل سوريا ما بعد الحرب.




