72 صفحة أممية من أجل غـ.ـزة: بين الحقيقة والإنكار!
خاص – نبض الشام
أثار التقرير الأممي الأخير حول حرب غزة جدلاً واسعاً على المستويين الدولي والإقليمي، بعدما خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت أعمال إبادة جماعية بحق الفلسطينيين منذ السابع من أكتوبر 2023. في المقابل، وصفت تل أبيب التقرير بأنه “مشوّه وكاذب”، معتبرة أنه يستند إلى رواية حركة حماس. هذا التناقض الحاد بين النتائج الأممية والموقف الإسرائيلي يعكس عمق الأزمة، ليس فقط في ساحة المعركة، بل أيضا في الخطاب القانوني والسياسي الدولي.
تقرير أممي غير مسبوق
التقرير، الذي أصدرته لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، جاء في 72 صفحة مليئة بالوقائع والشهادات. وقد اتهم إسرائيل بارتكاب أربعة أعمال إبادة جماعية، من بينها القتل المباشر، وإلحاق أذى جسدي ونفسي خطير، وفرض ظروف معيشية قاسية تهدف إلى التدمير الكلي أو الجزئي، بالإضافة إلى تدابير لمنع الإنجاب. واعتبرت اللجنة أن هذه النتائج تمثل “أقوى إثبات أممي حتى الآن” على وقوع إبادة جماعية.
موقف إسرائيل
تصر إسرائيل على أن عملياتها العسكرية تأتي في إطار “الدفاع عن النفس” بعد هجمات حماس، مؤكدة أنها تراعي القانون الدولي الإنساني. وزارة الخارجية الإسرائيلية وصفت التقرير بأنه أداة سياسية تستند إلى “أكاذيب حماس”، واتهمت معدّيه بالتحيز الصارخ ضد الدولة العبرية. هذا الموقف يعكس إصرارًا إسرائيليًا على رفض أي توصيف قانوني دولي قد يقيّد تحركاتها العسكرية أو يجرّ قادتها إلى المحاكم الدولية.
المدنيون؟!
التقرير وثّق عشرات الأمثلة على استهداف المدنيين، من بينهم الطفلة هند رجب التي قُتلت مع عائلتها رغم وجودهم في مناطق أُعلن أنها “آمنة”. كما أشار إلى قصف المستشفيات والمدارس والملاجئ. في المقابل، تؤكد إسرائيل أنها لا تستهدف المدنيين عمدًا، وأن سقوط الضحايا نتيجة “استخدام حماس المدنيين دروعًا بشرية”. هذا التناقض يُبرز الفجوة بين الواقع الميداني كما توثّقه منظمات دولية، والخطاب السياسي الإسرائيلي الذي ينفي المسؤولية.
الحصار والمساعدات الإنسانية
من النقاط الأبرز في التقرير اتهام إسرائيل بتحويل الحصار إلى “سلاح جماعي”، عبر منع المياه والغذاء والدواء والوقود. وذهب التقرير إلى أن السماح بدخول كميات محدودة من المساعدات لم يكن سوى “واجهة لتضليل المجتمع الدولي”. أما إسرائيل، فتصر على أنها تسمح بدخول ملايين الأطنان من الإمدادات، نافية سياسة “التجويع”. التناقض هنا لا يتعلق بالأرقام فقط، بل بمدى توافق الإجراءات مع القانون الدولي الإنساني.
التحريض والخطاب السياسي
أشار التقرير إلى تصريحات قادة إسرائيليين، بينهم نتنياهو وهرتسوغ وغالانت، التي وُصفت بأنها تحريض مباشر على الإبادة. بينما ترى إسرائيل أن هذه التصريحات “أُخرجت من سياقها”، يستخدمها التقرير كدليل على وجود نية متعمدة لإبادة الفلسطينيين. هذا الجانب يفتح بابًا لمسؤوليات قانونية قد تكون ثقيلة على القيادة الإسرائيلية.
يكشف التناقض بين التقرير الأممي والموقف الإسرائيلي عن معركة موازية للحرب العسكرية، وهي معركة الرواية والشرعية الدولية. وبينما يضع التقرير إسرائيل في مواجهة اتهامات خطيرة بارتكاب إبادة جماعية، تستمر تل أبيب في نفيها والتمسك برواية “الدفاع عن النفس”. وفي ظل هذا الانقسام، يبقى المدنيون الفلسطينيون الضحية الأكبر، محاصرين بين نصوص قانونية دولية عاجزة، ومواقف سياسية متناقضة لا توقف نزيف الدم.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




