أخبــاربلاد الشامنبض الساعةهيدلاينز

جنوب لبنان في مواجهة سيناريو الاحتلال المفتوح

تترقب الساحة اللبنانية انعكاسات الانتخابات الإسرائيلية على مستقبل المواجهة مع تل أبيب، وسط تساؤلات بشأن ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستفتح المجال أمام تسوية تحدّ من العمليات العسكرية وتنهي الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، أم ستشهد استمرار التصعيد وتكريس واقع أمني جديد على الحدود.

وتتعلق هذه التساؤلات بطبيعة الخيارات التي ستتبناها القيادة الإسرائيلية المقبلة، ومدى استعدادها لإعادة النظر في إدارة الصراع، فضلاً عن موقف الولايات المتحدة من استمرار العمليات العسكرية وإمكان دفع الطرفين نحو تفاهمات قابلة للتنفيذ.

ولا يرتبط مستقبل المواجهة بهوية الفائز في الانتخابات وحدها، بل يتأثر أيضاً بمواقف الأطراف من الملفات الخلافية، وفي مقدمتها الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب، وسلاح حزب الله، وآليات وقف العمليات وضمان عدم تجدد المواجهات.

الانتخابات الإسرائيلية وسيناريوهات المرحلة المقبلة

تطرح نتائج الانتخابات المحتملة تساؤلات بشأن طبيعة التغيير الذي يمكن أن يطرأ على السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان، سواء استمر بنيامين نتنياهو في قيادة الحكومة أو تولى غادي آيزنكوت المسؤولية.

وقد ينعكس تبدل القيادة على أسلوب إدارة المواجهة وحدود العمليات العسكرية ومسار التفاوض، لكنه لا يعني بالضرورة حدوث تحول جوهري في الأهداف الأمنية الإسرائيلية المعلنة.

وفي هذا السياق، تبرز عدة احتمالات، من بينها استمرار الضغط العسكري والأمني بالتوازي مع السعي إلى ترتيبات جديدة على الحدود، أو احتواء المواجهة عبر مفاوضات تتناول الوجود العسكري والضمانات الأمنية، أو اتساع العمليات في حال تعثر المساعي السياسية.

وتظل هذه السيناريوهات مرتبطة بتطورات الميدان ومواقف الأطراف المعنية، ولا يمكن حسم اتجاهها استناداً إلى نتائج الانتخابات وحدها.

اختلاف المقاربات لا يعني بالضرورة تغيير الأهداف

يتباين الخطاب السياسي بين نتنياهو وآيزنكوت في عدد من الملفات، إلا أن تقييم انعكاسات أي تغيير في القيادة على لبنان يتطلب النظر إلى السياسات العملية، وليس الاكتفاء بالتصريحات أو الوعود الانتخابية.

فاستمرار العمليات العسكرية والضغط على الدولة اللبنانية بشأن سلاح حزب الله قد يبقيان من القضايا الأساسية في العلاقة بين الجانبين، حتى مع حدوث تغيير في الحكومة الإسرائيلية.

وفي المقابل، قد يؤدي تبدل القيادة إلى مراجعة بعض الحسابات المتعلقة بإدارة المواجهة أو المفاوضات، لكن ذلك سيعتمد على مواقف الحكومة المقبلة من شروط التسوية، وطبيعة الترتيبات الأمنية المطلوبة، ومدى استعدادها لتقديم ضمانات تتعلق بالانسحاب ووقف العمليات.

ومن ثم، فإن أي رهان على الانتخابات بوصفها مدخلاً تلقائياً لإنهاء الصراع يظل مرتبطاً بما ستسفر عنه السياسات الفعلية بعد تشكيل الحكومة.

الوجود العسكري الإسرائيلي ومخاوف تثبيت واقع جديد

تثير التحركات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان مخاوف من استمرار الوجود العسكري لفترة طويلة، في ظل الغارات والتفجيرات وشق الطرقات وتطورات ميدانية أخرى تشهدها المنطقة.

ويطرح استمرار هذه العمليات تساؤلات بشأن طبيعة الانتشار الإسرائيلي وأهدافه، وما إذا كان مرتبطاً بترتيبات أمنية مؤقتة أم قد يتحول إلى وجود ممتد يصعب إنهاؤه عبر المسارات السياسية وحدها.

وتعيد هذه المخاوف إلى الواجهة تجربة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان بين عامي 1982 و2000، وإن كانت الظروف الإقليمية والسياسية الحالية تختلف عن تلك المرحلة.

كما أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي قد يزيد تعقيد الجهود الرامية إلى معالجة ملف سلاح حزب الله، إذ يرتبط هذا الملف، في جانب من جوانبه، بمسألة الانسحاب الإسرائيلي والضمانات المتعلقة بوقف العمليات ومنع تجددها.

وبذلك، فإن تثبيت وجود عسكري طويل الأمد، إذا حدث، قد يفاقم الخلافات بشأن الترتيبات الأمنية ويجعل التوصل إلى تسوية شاملة أكثر صعوبة.

واشنطن أمام اختبار الوساطة والضمانات

يمثل الموقف الأمريكي عاملاً مؤثراً في تحديد مسار المرحلة المقبلة، بالنظر إلى قدرة واشنطن على التواصل مع الجانبين والتأثير في مسار المفاوضات.

لكن نجاح أي دور أمريكي لن يتوقف على دعم الحوار فحسب، بل سيتطلب أيضاً معالجة القضايا التي تعرقل تنفيذ التفاهمات، بما فيها وقف العمليات العسكرية، ومستقبل الانتشار الإسرائيلي، وترتيبات الحدود، والضمانات التي تحول دون تجدد المواجهة.

وفي حال اقتصرت الجهود على احتواء التصعيد من دون التوصل إلى آليات واضحة للتنفيذ، فقد تبقى التسوية عرضة للتعثر عند أول خلاف بشأن تفسير بنودها أو الالتزام بها.

أما ممارسة ضغوط فعلية لدفع الأطراف إلى تنفيذ تفاهمات محددة، فقد تفتح المجال أمام مسار أكثر استقراراً، شريطة وجود توافق على القضايا الأساسية وعدم الاكتفاء بترتيبات مؤقتة.

استمرار التصعيد الميداني يحد من فرص التهدئة

على الأرض، تزامن الحراك السياسي الإسرائيلي مع استمرار العمليات العسكرية في جنوب لبنان، إذ شهدت منطقة الصوان عند أطراف بلدة ميفدون قصفاً مدفعياً، إلى جانب استهداف بلدة المنصوري في قضاء صور، وسط استمرار الغارات والتفجيرات في مناطق جنوبية أخرى.

وتعكس هذه التطورات استمرار الفجوة بين المساعي السياسية والواقع الميداني، إذ تتواصل العمليات في وقت تترقب فيه بيروت مآلات الانتخابات الإسرائيلية وإمكان انعكاسها على مستقبل المواجهة.

ويجعل استمرار التصعيد التوصل إلى تسوية أكثر ارتباطاً بوجود خطوات عملية على الأرض، تشمل وقف العمليات وتحديد آليات الانسحاب وترتيبات الحدود، بدلاً من الاكتفاء بالتفاهمات السياسية العامة.

المرحلة المقبلة مرهونة بالقرارات العملية

يقف جنوب لبنان أمام مجموعة من الاحتمالات التي تتراوح بين احتواء المواجهة عبر تفاهمات سياسية وأمنية، واستمرار التصعيد، وصولاً إلى احتمال بقاء القوات الإسرائيلية في أجزاء من المنطقة لفترة ممتدة.

وستتحدد ملامح المرحلة المقبلة وفقاً للسياسات التي ستعتمدها القيادة الإسرائيلية، ومدى استعداد الولايات المتحدة للضغط من أجل تنفيذ تفاهمات واضحة، وقدرة الأطراف على معالجة القضايا الخلافية التي تعيق التسوية.

وفي ظل استمرار العمليات العسكرية وغياب ضمانات نهائية بشأن الانسحاب ووقف الاعتداءات، تبقى نتائج الانتخابات عاملاً ضمن مجموعة عوامل، لا حاسماً بمفرده، في تحديد مستقبل المواجهة بين لبنان وإسرائيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى