أردوغان يطوّق الخلاف مع أذربيجان

كشفت الأزمة الأخيرة بين تركيا وأذربيجان عن تباينات داخل الأوساط المحافظة التركية، بعدما اختارت أنقرة احتواء الخلاف مع حليفتها باكو، على الرغم من اعتراض شخصيات محسوبة على التيار المحافظ وحزب العدالة والتنمية الحاكم على موقف الحكومة من القيود المفروضة على ارتداء الحجاب في المدارس الأذربيجانية.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بل امتدت إلى نقاش داخلي في تركيا بشأن التوازن بين الحفاظ على التحالفات الاستراتيجية والدفاع عن قضايا لطالما شكلت جزءًا من الخطاب السياسي المحافظ، وفي مقدمتها حرية ارتداء الحجاب.
وتزامنت هذه التطورات مع مغادرة أوكتاي سارال منصبه مستشارًا للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بعد نحو عشر سنوات في محيطه، إلى جانب استدعاء شخصيات محافظة للتحقيق في مدن تركية عدة على خلفية مواقف وتدوينات انتقدت القيود المفروضة على الحجاب في أذربيجان. وأثارت هذه التطورات تساؤلات بشأن انعكاس إدارة الأزمة على علاقة الحزب الحاكم ببعض مكونات قاعدته الشعبية.
المصالح الاستراتيجية في مواجهة الاعتراضات الداخلية
اتجهت أنقرة إلى احتواء الخلاف مع باكو ومنع تصاعده، بعدما أثارت الانتقادات التركية للقيود المتعلقة بالحجاب استياءً في أذربيجان، وسط إجراءات تصعيدية متبادلة زادت من حساسية الموقف بين الحليفين.
وبحسب مصدر في حزب العدالة والتنمية، فضّل أردوغان إعادة ترميم العلاقات مع أذربيجان والحفاظ على التحالف القائم بين البلدين، رغم عدم رضا بعض أنصار الحزب عن هذا التوجه.
ويرى معارضون لهذا المسار داخل الأوساط المحافظة أن الحفاظ على العلاقات الثنائية لا ينبغي أن يمنع انتقاد القيود المفروضة على الحجاب، بل إن العلاقة الوثيقة بين أردوغان والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف كان يمكن أن تشكل فرصة للضغط من أجل مراجعة القرار.
في المقابل، يعتبر مؤيدو احتواء الخلاف أن التصعيد العلني قد يضر بعلاقات استراتيجية تجمع البلدين، وأن معالجة التباينات عبر القنوات السياسية والدبلوماسية أكثر ملاءمة من توسيع المواجهة الإعلامية.
وتكتسب القضية حساسية خاصة لدى المحافظين الأتراك، نظرًا إلى تاريخ القيود التي فُرضت على ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية وأماكن العمل في تركيا، قبل أن تتراجع تلك القيود خلال سنوات حكم حزب العدالة والتنمية. ولذلك، أثار الموقف من التطورات في أذربيجان نقاشًا بشأن مدى اتساق السياسة الخارجية للحزب مع مواقفه الداخلية السابقة.
أردوغان يسعى إلى احتواء التصعيد
يرى الكاتب والمحلل السياسي التركي مراد أقصوي أن تدخل أردوغان أسهم في الحد من اتساع الأزمة، مشيرًا إلى أن خطوات أنقرة انعكست على مسار العلاقات مع باكو قبيل قمة الدول التركية التي تستضيفها العاصمة التركية.
وبحسب أقصوي، تراجعت مؤشرات التصعيد الأذربيجاني بعد اتصال هاتفي بين أردوغان وعلييف، كما انحسرت الانتقادات العلنية للقرار الأذربيجاني داخل دوائر الحكومة والحزب الحاكم في تركيا.
وربط المحلل بين مغادرة سارال منصبه ومساعي إعادة بناء الثقة بين الطرفين، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الخطوة جاءت استجابة لشرط مباشر من باكو.
وأضاف أن توجه أردوغان يتقاطع مع موقف حليفه السياسي دولت بهتشلي، الذي حذر من السماح للخلاف بإحداث شرخ بين البلدين اللذين تربطهما علاقات تاريخية وثقافية وثيقة.
ويعكس هذا التوجه، وفق هذا التقييم، رغبة تركية في تجاوز الأزمة من خلال الحوار المباشر، والحد من تأثير السجالات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي على العلاقات الثنائية.
لكن احتواء الخلاف دبلوماسيًا لم ينهِ الجدل داخل تركيا، إذ بقيت قضية الحجاب موضع اعتراض لدى شخصيات محافظة رأت أن الحفاظ على التحالف مع أذربيجان لا ينبغي أن يأتي على حساب المواقف المتعلقة بالحريات والحقوق الفردية.
أصوات محافظة تنتقد الصمت
برزت الخلافات بصورة أوضح بين شخصيات وكتاب محسوبين على التيار المحافظ، ممن انتقدوا موقف الحكومة التركية من القيود المفروضة على الحجاب في أذربيجان، معتبرين أن الصمت تجاهها يتعارض مع المبادئ التي دافع عنها الحزب الحاكم في تركيا.
ومن بين هؤلاء الكاتب التركي أتيلا أتيلا، الذي انتقد القرار في مقال نشرته صحيفة مقربة من حزب العدالة والتنمية، معتبرًا أن تجاهل القضية بدافع حماية العلاقات الثنائية يثير إشكالات تتعلق بالعدالة وحقوق الإنسان.
ورفض أتيلا اعتبار القيود المفروضة على الحجاب شأنًا داخليًا لا يجوز انتقاده من الخارج، مشددًا على أن قضايا الحقوق والحريات لا ينبغي أن تخضع بالكامل لحسابات العلاقات السياسية بين الدول.
وتكشف هذه المواقف عن تباين داخل التيار المحافظ بين من يعطي الأولوية للحفاظ على التحالفات الإقليمية وتجنب التصعيد، ومن يرى أن الدفاع عن الحجاب ينبغي أن يظل ثابتًا، حتى عندما يتعلق الأمر بدولة حليفة لتركيا.
كما تثير هذه الانقسامات تساؤلات بشأن مستقبل العلاقة بين الحزب الحاكم وبعض الأصوات المحافظة التي لا تتبنى موقف الحكومة من الأزمة، ومدى انعكاس الخلاف على تماسك القاعدة السياسية للحزب.
هل يستفيد المنافسون الإسلاميون من الأزمة؟
قد تفتح الخلافات المتعلقة بالحجاب المجال أمام منافسي حزب العدالة والتنمية لاستقطاب جزء من الناخبين المحافظين، خصوصًا في ظل وجود أحزاب إسلامية تتبنى مواقف أكثر تشددًا في رفض القيود المفروضة على ارتداء الحجاب في أذربيجان.
وفي هذا السياق، برز اسم فاتح أربكان، زعيم حزب الرفاه من جديد، ضمن قائمة شخصيات تركية حظرت أذربيجان دخولها إلى أراضيها خلال الأزمة. وجاء ذلك في أعقاب الجدل الذي أثارته مقاطع مصورة لطالبات محجبات مُنعن من دخول مدارس، في ظل قواعد للزي المدرسي لا تسمح بارتداء الحجاب.
ويمثل حزب الرفاه من جديد أحد المنافسين في الساحة السياسية المحافظة، مستندًا إلى إرث حزب الرفاه الذي أسسه نجم الدين أربكان، وبدأ أردوغان مسيرته السياسية في إطاره قبل أن ينفصل عنه ويؤسس حزب العدالة والتنمية عام 2001.
وقد تمنح هذه التطورات الحزب فرصة لطرح نفسه بديلًا أمام الناخبين الذين يرون أن موقف الحكومة من الأزمة لا ينسجم مع أولوياتهم، غير أن حجم التأثير السياسي المحتمل سيظل مرتبطًا بتطورات الأزمة ومدى استمرار الاعتراضات داخل الأوساط المحافظة.
وتضع الأزمة أنقرة أمام معادلة دقيقة تجمع بين الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع باكو واحتواء التباينات داخل قاعدتها المحافظة. وبينما تسعى الحكومة التركية إلى إبقاء الخلاف ضمن حدوده الدبلوماسية، يظل الجدل بشأن الحجاب اختبارًا لمدى قدرة حزب العدالة والتنمية على التوفيق بين حسابات السياسة الخارجية والمواقف التي شكلت جزءًا من هويته السياسية.




