أخبــاربوصلة الشامنبض الساعةهيدلاينز

مطار المزة يفتح ملفات الماضي.. ماذا عن المقابر والأراضي؟

أثارت خطط السلطات السورية لإعادة تأهيل مطار المزة العسكري في دمشق وتحويله إلى منشأة مدنية محدودة مخصصة للطيران الخاص والتنفيذي، جدلاً حقوقياً وشعبياً، على خلفية مخاوف من وجود مواقع يُشتبه باحتوائها على مقابر جماعية داخل حرم المطار، إلى جانب نزاعات قديمة تتعلق بملكية الأراضي التي أقيمت عليها منشآته.

وكانت هيئة الطيران المدني قد أعلنت في وقت سابق من أيلول إعداد خطط أولية لإعادة تصنيف المطار من منشأة عسكرية إلى مطار مدني محدود، ليكون مكملاً لمطار دمشق الدولي. وبدأت أعمال أولية شملت إزالة الأنقاض وتنفيذ بعض أعمال البنية التحتية المرتبطة بالملاحة الجوية.

وثائق عن عمليات إعدام داخل المطار

وتشير وثائق حصلت عليها جهة حقوقية سورية وجرى الاطلاع عليها حديثاً إلى أن مسؤولين عسكريين وافقوا عام 2012 على استخدام مطار المزة موقعاً لتنفيذ أحكام إعدام بحق معتقلين صدرت بحقهم أحكام من محاكم ميدانية عسكرية.

وبحسب الوثائق، طُرح نقل عمليات الإعدام من سجن صيدنايا إلى المزة، باعتبار الموقع قريباً من دمشق ويضم مجمعاً أمنياً مغلقاً. كما ناقشت مراسلات لاحقة استخدام ميدان للرماية، ثم حظيرة تقع قرب المدرج، لتنفيذ عمليات الإعدام.

وتكشف هذه المعطيات عن الدور الذي لعبه المطار ضمن المنظومة الأمنية خلال عهد بشار الأسد، بعدما ضم منشآت تابعة للمخابرات الجوية ومراكز احتجاز ارتبطت، وفق شهادات وتحقيقات حقوقية، بعمليات اعتقال وتعذيب وإعدام واختفاء قسري.

مخاوف من فقدان أدلة ورفات

وفي تحقيق سابق، حددت جهة حقوقية موقعين يُشتبه في احتوائهما على قبور مرتبطة بمعتقلين توفوا في منشآت الاحتجاز داخل المزة، وقدرت أن أكثر من 1,150 معتقلاً توفوا هناك، بعضهم نتيجة الإعدام وآخرون بسبب التعذيب أو سوء المعاملة.

ومع بدء أعمال إزالة الأنقاض وإعادة التأهيل، برزت مخاوف من أن تؤدي عمليات الحفر أو نقل الركام إلى إتلاف رفات بشرية أو أدلة مادية يمكن أن تساعد في تحديد هوية الضحايا وكشف مصير المفقودين.

ووجهت الجهة الحقوقية رسالة في 8 أيلول إلى الهيئة الوطنية للمفقودين، طالبت فيها بحماية المواقع التي يُشتبه بوجود قبور فيها ووقف أي أعمال قد تؤثر في الأدلة إلى حين إجراء تحقيقات متخصصة، مشيرة إلى أنها لم تتلق رداً حتى الآن.

وتكتسب هذه المطالب أهمية إضافية في ظل استمرار ملف المفقودين والمحتجزين السابقين، ووجود دعوات إلى توثيق المواقع المرتبطة بالانتهاكات قبل إجراء أي تغييرات إنشائية عليها.

أراضٍ تعود ملكيتها لمواطنين

ولا يتوقف الجدل عند الجانب الحقوقي، إذ تواجه خطط تطوير المطار أيضاً مطالب مرتبطة بملكية الأراضي.

وتظهر سجلات عقارية من بلدية معضمية الشام أن جزءاً من الأراضي التي أقيمت عليها منشآت المطار تعود ملكيتها إلى مئات المواطنين، وتبلغ المساحة الواردة في السجلات نحو 2.76 كيلومتر مربع.

وبحسب مسؤول بلدي سابق، صدرت مراسيم استملاك لاحقة لتسوية وضع الأراضي التي استخدمت عند بناء المطار، بينما لم يحصل أصحابها، وفق إفادته، على التعويضات المستحقة.

ويقول أصحاب أراضٍ في المنطقة إن لديهم وثائق تثبت ملكيتهم، ويطالبون بإعادة النظر في قرارات الاستملاك السابقة أو تعويضهم عن الأراضي التي لم تعد تستخدم للغرض الذي استُملكت من أجله.

احتجاجات تطالب بالمشاركة

وبعد الإعلان عن مشروع إعادة تأهيل المطار، نظم سكان في معضمية الشام احتجاجات طالبوا خلالها بإشراك أصحاب الحقوق في أي ترتيبات تتعلق بالأراضي.

وأكد المحتجون ترحيبهم بمشاريع الاستثمار والتطوير، لكنهم شددوا في المقابل على ضرورة عدم تجاوز حقوق المالكين الأصليين، وعلى إشراكهم في القرارات المتعلقة بمصير العقارات التي أقيمت عليها منشآت المطار.

وتأتي هذه المطالب في سياق أوسع من النقاش حول مصير الممتلكات التي جرى الاستيلاء عليها أو استملاكها خلال العقود السابقة، مع تصاعد الدعوات إلى وضع آليات لإعادة الممتلكات إلى أصحابها أو تعويضهم وفق الأطر القانونية.

بين الاستثمار وحماية الذاكرة

ويضع مشروع تحويل مطار المزة السلطات السورية أمام ملفين متداخلين: الأول يتعلق بتطوير منشأة عسكرية وتحويلها إلى مرفق مدني يمكن أن يخدم قطاع الطيران الخاص ويجذب استثمارات جديدة، والثاني يرتبط بموقع يحمل إرثاً أمنياً وثقلاً حقوقياً كبيراً.

ويرى حقوقيون أن أي أعمال تطوير في المواقع التي يُشتبه باحتوائها على رفات أو أدلة مرتبطة بضحايا يجب أن تسبقها عمليات توثيق وفحص جنائي متخصصة، بما يضمن عدم فقدان الأدلة أو إتلافها.

وفي المقابل، يبقى ملف ملكية الأراضي بحاجة إلى معالجة منفصلة تضمن تحديد حقوق المالكين الأصليين وآليات التعويض أو استعادة الملكية وفق القانون.

وبذلك، لا يتعلق مستقبل مطار المزة بمسألة تحويل مدرج ومنشآت عسكرية إلى استخدام مدني فحسب، بل يرتبط أيضاً بكيفية تعامل السلطات مع ذاكرة موقع ارتبط بانتهاكات خطيرة، وبحقوق سكان يقولون إن أراضيهم أُخذت منهم قبل عقود.

ويظل حسم مصير المواقع التي يُشتبه بوجود مقابر فيها وحقوق أصحاب الأراضي من أبرز الملفات التي قد تحدد شكل المشروع ومستقبله، قبل الانتقال من أعمال التأهيل الأولية إلى مراحل التطوير الأوسع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى