ألمانيا تتهم روسيا بعمليات تخريب سرية في أوروبا

تتزايد حدة التوتر بين ألمانيا وروسيا، مع انتقال برلين إلى الحديث علناً عن ما تصفه بـ«حرب ظل» روسية داخل الأراضي الألمانية، تشمل وفق التقديرات الألمانية استخدام المسيّرات والمتفجرات وتجنيد أشخاص محليين لتنفيذ عمليات تخريبية.
وتزامن ذلك مع تحرك ألماني لتعزيز القدرات العسكرية بعيدة المدى، شمل إجراء تجربة على الصاروخ الباليستي الإسرائيلي «لورا»، في خطوة تأتي وسط استمرار التوتر الأمني في أوروبا.
وكان مطار لايبزيغ/هاله أحد أبرز المواقع التي دخلت دائرة التحقيقات، بعدما عُثر خلال الليلة الفاصلة بين 4 و5 آب على مسيّرة صغيرة داخل المنطقة الأمنية في المطار، كانت تحمل نحو 600 غرام من مادة «آر دي إكس» المتفجرة.
وعُثر على المسيّرة بالقرب من طائرة شحن من طراز «أنتونوف أن-124» تابعة لشركة طيران أوكرانية، كانت متوقفة في المطار الذي يُستخدم أيضاً ضمن البنية اللوجستية لحلف شمال الأطلسي لنقل معدات عسكرية إلى أوكرانيا.
ولم تنفجر العبوة، فيما تشير التقديرات الألمانية إلى أن انفجارها كان يمكن أن يؤدي إلى إصابات وتعطيل حركة المطار، إضافة إلى التأثير في أحد مسارات الإمداد المستخدمة لدعم أوكرانيا.
وتعتبر السلطات الألمانية أن أهمية الحادث تتجاوز الأضرار المحتملة للطائرة، إذ ترى أن استهداف منشأة حيوية بهذا الشكل يمكن أن يؤدي إلى تعطيل البنية التحتية وإحداث تأثير أمني وإعلامي من دون تنفيذ هجوم عسكري مباشر.
وفي موقف رسمي، اتهم وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت ووزير الخارجية يوهان فاديفول أجهزة الاستخبارات الروسية بالوقوف وراء محاولة الاستهداف.
وبحسب التقييمات الاستخباراتية الألمانية، قد يعتمد هذا النوع من العمليات على الفصل بين الجهات التي تقف خلف التخطيط والتنفيذ، عبر توفير معدات أو خبرات من جهات مرتبطة بروسيا، مقابل تنفيذ المهام ميدانياً بواسطة أشخاص جرى تجنيدهم داخل ألمانيا.
وتشير التقديرات إلى أن بعض المنفذين المحتملين قد يكونون مواطنين محليين أو أشخاصاً يتلقون أموالاً مقابل تنفيذ مهام محددة، من دون أن يكونوا بالضرورة على اطلاع على الجهة الأوسع التي تقف خلف المهمة.
وفي حادث منفصل بولاية براندنبورغ، لحقت أضرار بخطوط كهرباء عالية التوتر، كما عُثر على عبوة ناسفة بالقرب من محطة فرعية لشبكة الكهرباء.
ووفق المعلومات المتداولة بشأن الحادث، استُخدمت وسائل تهدف إلى إحداث تماس كهربائي في خطوط التوتر، ما أدى إلى توقف تلقائي لإحدى وحدات الإنتاج في محطة يانشفالده للطاقة.
ولم توجه السلطات الألمانية في المراحل الأولى من التحقيق اتهاماً مباشراً إلى روسيا، ودرست بدلاً من ذلك احتمالات تتعلق بنشاط مجموعات من اليسار المتطرف أو جهات إجرامية محلية.
لكن أجهزة أمنية ألمانية تدرس الحادث ضمن سياق أوسع يتعلق بمحاولات محتملة لاستهداف منشآت وبنى تحتية حيوية.
وتبحث السلطات في ألمانيا ودول أوروبية أخرى الروابط المحتملة بين سلسلة حوادث تضمنت محاولات تخريب، واستخدام مسيّرات، وضبط مواد متفجرة. وتشمل التحقيقات حوادث وقعت في عدد من الدول الأوروبية، من بينها بولندا وبريطانيا وإيطاليا وبلغاريا ورومانيا.
ولا تقتصر المخاوف على المطارات، إذ تشمل البنية التحتية الحيوية محطات الطاقة والموانئ وشبكات الاتصالات وكابلات الاتصالات البحرية والسكك الحديدية، باعتبار أن استهداف هذه المنشآت يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات واسعة من دون الحاجة إلى تنفيذ عملية عسكرية شاملة.
وفي موازاة هذه الاتهامات، تعمل ألمانيا على تطوير قدراتها العسكرية بعيدة المدى. وأجرت البحرية الألمانية تجربة على الصاروخ الباليستي الإسرائيلي «لورا» في شمال المحيط الأطلسي، بعد فترة وجيزة من تصاعد الاتهامات المتعلقة بالهجمات السرية.
ويبلغ المدى المعلن للصاروخ نحو 500 كيلومتر، فيما قالت القيادة البحرية الألمانية إن التجربة تمثل خطوة مهمة في تعزيز قدرات الردع والجاهزية الدفاعية.
كما تواصل ألمانيا تطوير منظومة «تاوروس نيو»، وهي نسخة مستقبلية من صاروخها الجوال، ومن المتوقع أن تدخل مرحلة الإنتاج خلال السنوات المقبلة، مع قدرات محسنة ومدى أطول.
وفي ظل هذه التطورات، قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إن بلاده تمثل «قوة استقرار» ومستعدة للتفاوض، لكنها لن تتراجع عن موقفها.
وتعكس هذه التطورات انتقال المخاوف الأمنية الألمانية، وفق الرواية الرسمية في برلين، من تداعيات الحرب في أوكرانيا إلى احتمال تعرض البنى التحتية داخل ألمانيا ودول أوروبية أخرى لعمليات تخريب غير معلنة.
وفي المقابل، يتزامن تشديد الخطاب الأمني مع مساعٍ ألمانية لتعزيز القدرات العسكرية بعيدة المدى، ما يضيف بعداً جديداً إلى التوتر بين برلين وموسكو في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتزايد المخاوف الأوروبية من اتساع نطاق المواجهة الأمنية.




