من “باتريوت” إلى “ثاد”.. استنزاف كبير لمنظومات الدفاع الأميركية في حرب إيران

خلال خمسة أشهر من الحرب مع إيران، واجهت الولايات المتحدة معدلات مرتفعة من استهلاك صواريخ الدفاع الجوي والهجومية، في تطور أثار مخاوف بشأن مستويات المخزون الأميركي وقدرة قطاع الصناعات الدفاعية على تعويض الذخائر بالسرعة المطلوبة.
وتزامن ذلك مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوترات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ما دفع وزارة الدفاع الأميركية إلى إعادة تقييم احتياجاتها من الذخائر الاعتراضية والصواريخ بعيدة المدى، وتسريع خطط زيادة الإنتاج.
حرب إيران تضغط على المخزون الأميركي
أثارت مستويات الاستهلاك خلال الحرب نقاشاً داخل الولايات المتحدة بشأن أسباب تراجع بعض المخزونات، خصوصاً صواريخ الدفاع الجوي المستخدمة لاعتراض الصواريخ الباليستية.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أشار إلى أن المساعدات العسكرية التي قدمتها واشنطن لأوكرانيا خلال السنوات الماضية أسهمت في خفض بعض المخزونات، مؤكداً في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك قدرات عسكرية كبيرة وتعمل على زيادة الإنتاج.
لكن تقديرات ودراسات عسكرية تشير إلى أن طبيعة الذخائر المستخدمة في الحرب مع إيران تختلف إلى حد كبير عن الأسلحة التي استُهلكت خلال دعم أوكرانيا. فقد ركزت العمليات في الشرق الأوسط بصورة كبيرة على صواريخ الاعتراض والصواريخ بعيدة المدى، وهي ذخائر ذات أهمية خاصة في أي مواجهة محتملة مع قوى عسكرية كبرى.
أرقام تكشف حجم الاستنزاف
وفق تقديرات مركز أبحاث أميركي، استخدمت الولايات المتحدة خلال الحرب نحو 1200 صاروخ من طراز «باتريوت» من أصل مخزون يقدر بنحو 2330 صاروخاً.
كما استُخدم أكثر من 1000 صاروخ «توماهوك» من أصل نحو 3000، إضافة إلى أكثر من 1100 صاروخ من طراز JASSM من أصل قرابة 4400 صاروخ.
وتشير التقديرات نفسها إلى استخدام ما بين 130 و250 صاروخاً من طراز SM-3، من أصل نحو 410 صواريخ، وما بين 90 و370 صاروخاً من طراز SM-6 من أصل قرابة 1160 صاروخاً.
أما منظومة «ثاد»، فقد استُخدم منها ما بين 190 و290 صاروخاً من أصل مخزون يقدر بنحو 360 صاروخاً.
وتعكس هذه الأرقام حجم الضغط الذي تعرضت له مخزونات صواريخ الاعتراض الأميركية خلال فترة زمنية قصيرة، خصوصاً في منظومتي «باتريوت» و«ثاد».
«باتريوت» و«ثاد» في صدارة الاستنزاف
كانت منظومتا «باتريوت» و«ثاد» من أبرز أنظمة الدفاع المستخدمة في مواجهة الصواريخ الباليستية الإيرانية، وهو ما جعلهما من أكثر المنظومات تعرضاً للاستهلاك خلال الحرب.
وتشير تقديرات بحثية إلى أن المخزون الأميركي من صواريخ «باتريوت» تراجع بنحو 65%، بينما انخفض مخزون صواريخ «ثاد» بصورة حادة خلال فترة قصيرة.
وتحتاج إعادة بناء مخزون «ثاد»، وفق بعض التقديرات، إلى عدة سنوات حتى في حال استمرار معدلات الإنتاج الحالية، ما يعكس الفجوة بين حجم الاستهلاك والقدرة التصنيعية المتاحة.
لماذا ارتفع الاستهلاك بهذه السرعة؟
ساهمت كثافة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة خلال مراحل الحرب الأولى في زيادة الحاجة إلى صواريخ الاعتراض، خصوصاً لحماية القواعد والمنشآت العسكرية والسفن والمواقع الحيوية.
كما جاءت الحرب بعد أشهر من مواجهة عسكرية سابقة بين إيران وإسرائيل، كانت قد استنزفت بدورها جزءاً من مخزونات الدفاع الجوي الأميركية والإسرائيلية.
وبذلك بدأت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية في عام 2026 بمستويات مخزون أقل من تلك التي كانت متوافرة قبل عام، ما زاد الضغط على منظومات الاعتراض مع استمرار العمليات.
واشنطن تسارع لتعويض النقص
دفعت المخاوف بشأن مستويات المخزون الإدارة الأميركية إلى اتخاذ خطوات لتسريع إنتاج الذخائر وزيادة الطاقة التصنيعية.
وتعمل وزارة الدفاع على إبرام اتفاقيات وعقود جديدة مع شركات الصناعات الدفاعية، إلى جانب الضغط للحصول على تمويلات إضافية من الكونغرس بهدف رفع الإنتاج وإعادة بناء المخزونات.
ومن أبرز الخطوات عقد تصل قيمته إلى 58.6 مليار دولار لإنتاج صواريخ «باتريوت» خلال السنوات المقبلة، في محاولة لرفع القدرة الإنتاجية وتقليص الفترة اللازمة لتعويض الذخائر المستخدمة.
الإنتاج لا يواكب الاستهلاك
تتمثل إحدى أبرز المشكلات في أن إنتاج بعض الصواريخ لا يزال أقل بكثير من حجم الاستهلاك الذي شهدته الحرب.
وبحسب جداول إنتاج متداولة، تبلغ القدرة الشهرية نحو 20 صاروخ «باتريوت» ونحو 15 صاروخ «توماهوك»، وهي معدلات تجعل تعويض الكميات التي استُهلكت خلال فترة قصيرة عملية قد تمتد لسنوات.
وتعكس هذه الفجوة تحدياً أوسع أمام قطاع الصناعات الدفاعية الأميركي، خصوصاً أن إنتاج بعض الصواريخ يعتمد على مكونات متخصصة وسلاسل توريد تحتاج إلى وقت طويل للتوسع.
تداعيات تمتد إلى أوكرانيا وآسيا
لا تقتصر آثار تراجع المخزون على منطقة الشرق الأوسط. فالنقص في صواريخ الدفاع الجوي قد يحد من قدرة واشنطن على توفير كميات إضافية من بعض الذخائر لأوكرانيا، التي تواجه بدورها هجمات روسية بالصواريخ الباليستية وصواريخ «إسكندر».
كما تثير مستويات المخزون تساؤلات بشأن جاهزية القوات الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، خصوصاً في حال اندلاع أزمة عسكرية جديدة قبل اكتمال خطط إعادة بناء الترسانة.
ويعني ذلك أن أي قرار بشأن توزيع الذخائر المتاحة لم يعد مرتبطاً بساحة واحدة، بل بات جزءاً من حسابات أوسع تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على الجاهزية في مناطق متعددة في الوقت نفسه.
إعادة ترتيب أولويات التسليح
أظهرت الحرب مع إيران أن التحدي الأساسي أمام الولايات المتحدة لا يرتبط فقط بقدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة، بل أيضاً بقدرتها على الحفاظ على مخزون كافٍ من الذخائر وتعويض ما يتم استخدامه بوتيرة سريعة.
وبينما تركز واشنطن على زيادة الإنتاج وتوفير تمويلات إضافية، تبقى سرعة توسيع القاعدة الصناعية الدفاعية عاملاً حاسماً في تحديد قدرتها على سد الفجوة.
وفي ظل استمرار التوترات في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، تتحول مسألة إعادة بناء مخزونات صواريخ الاعتراض إلى أولوية استراتيجية، ليس فقط لإنهاء آثار الحرب مع إيران، بل لضمان جاهزية القوات الأميركية أمام أزمات محتملة في ساحات أخرى.




