من البلقان إلى أوكرانيا.. الاتحاد الأوروبي يعيد رسم خريطة العضوية

عاد ملف توسيع الاتحاد الأوروبي إلى صدارة النقاشات في بروكسل، بعد أكثر من عقد على انضمام كرواتيا، وسط تغيرات أمنية وسياسية دفعت دول التكتل إلى إعادة النظر في مستقبل سياسة التوسع.
ويأتي هذا التحول في ظل تصاعد التوتر مع روسيا، وتنامي المنافسة مع الصين، إلى جانب حالة عدم اليقين بشأن مستقبل العلاقات عبر الأطلسي. وفي هذا السياق، بات انضمام دول البلقان وأوروبا الشرقية يُنظر إليه باعتباره ملفاً يرتبط بالأمن والاستقرار الأوروبيين، وليس مجرد مشروع اقتصادي وسياسي طويل الأمد.
وتتصدر مونتينيغرو قائمة الدول الأقرب إلى العضوية، بينما تحرز ألبانيا ومولدوفا وأوكرانيا تقدماً متفاوتاً في مسارات التفاوض والانضمام.
دفعة جديدة لمسار التوسع
شهد ملف التوسع خطوة مهمة في يوليو، مع عقد مؤتمرات انضمام منفصلة مع أوكرانيا ومولدوفا وألبانيا ومونتينيغرو خلال يوم واحد.
وحققت مونتينيغرو تقدماً إضافياً في عدد من ملفات التفاوض، من بينها المنافسة والاتحاد الجمركي، بينما واصلت ألبانيا ومولدوفا إحراز تقدم في مجالات أخرى.
ويعكس ذلك محاولة أوروبية لإعطاء دفعة جديدة لمسار التوسع، بعد سنوات من الجمود النسبي، مع اختلاف واضح في مستوى جاهزية الدول المرشحة وحجم التحديات التي يفرضها انضمام كل منها.
مونتينيغرو في المقدمة
وتشير تقديرات دبلوماسية أوروبية إلى أن مونتينيغرو تحظى بأوسع قبول باعتبارها الدولة الأكثر استعداداً لإحداث اختراق في ملف التوسع.
في المقابل، تطرح عضوية أوكرانيا ومولدوفا ملفات أكثر تعقيداً، خصوصاً على مستوى الموازنة الأوروبية، والسياسة الزراعية، وتوزيع الأموال، إضافة إلى أوزان التصويت داخل مؤسسات الاتحاد.
وتزداد هذه المسائل حساسية مع اقتراب أي دولة من استكمال مفاوضات الانضمام، إذ سيكون على الدول الأعضاء الحالية الاتفاق مسبقاً على كيفية التعامل مع التداعيات المالية والمؤسسية للتوسع.
ولهذا، تبرز داخل الاتحاد فكرة “الاندماج التدريجي”، التي تقوم على منح الدول المرشحة وصولاً أوسع إلى السوق الأوروبية وبعض البرامج والمزايا قبل حصولها على العضوية الكاملة.
ويطبق الاتحاد بالفعل ترتيبات مشابهة مع دول غرب البلقان، ضمن خطة نمو تبلغ قيمتها ستة مليارات يورو، كما توجد آليات لتعزيز اندماج أوكرانيا ومولدوفا في بعض البرامج والهياكل الأوروبية.
توسع جديد يحتاج إلى إصلاحات
ولا ترتبط تحديات التوسع بمدى استعداد الدول المرشحة فقط، بل تمتد إلى الاتحاد الأوروبي نفسه.
وقد حددت المؤسسات الأوروبية مجموعة من الملفات التي تحتاج إلى معالجة قبل تنفيذ توسع كبير، من بينها سيادة القانون والقيم الأوروبية، والسياسات المشتركة، والموازنة، وآليات اتخاذ القرار داخل مؤسسات الاتحاد.
وتبرز مسألة التصويت بصورة خاصة، بعدما أظهرت التجارب السابقة أن اعتماد الإجماع في بعض الملفات يمنح دولة واحدة القدرة على تعطيل قرارات تتطلب موافقة جميع الأعضاء.
ودفع ذلك إلى طرح توسيع نطاق استخدام التصويت بالأغلبية المؤهلة، خصوصاً في القضايا المرتبطة بعملية الانضمام.
ويرى خبراء في الشؤون الأوروبية أن بروكسل تواجه معادلة صعبة بين الحاجة إلى تسريع عملية التوسع بسبب المتغيرات الأمنية، والحفاظ في الوقت نفسه على القواعد والمعايير التي قامت عليها عضوية الاتحاد.
تجربة مختلفة عن توسع 2004
ومن المتوقع أن تختلف موجة التوسع المقبلة عن تلك التي شهدها الاتحاد عام 2004، عندما انضمت عشر دول في أكبر عملية توسع في تاريخ التكتل.
فالدول المرشحة الحالية تختلف بصورة كبيرة في حجم اقتصاداتها، وأوضاعها المالية، ومستويات التنمية، إضافة إلى التحديات الأمنية التي تواجهها.
وتبرز أوكرانيا بصورة خاصة باعتبارها دولة كبيرة من الناحية السكانية والاقتصادية، ما يجعل انضمامها مؤثراً في توزيع الأموال الأوروبية، والسياسة الزراعية، وصناديق التنمية والتماسك، فضلاً عن موازين التصويت داخل مؤسسات الاتحاد.
كما أن الظروف الأمنية المحيطة بأوكرانيا تضيف بعداً استثنائياً إلى ملف عضويتها، مقارنة بمعظم عمليات التوسع السابقة.
بين الحسابات الأمنية والكلفة المالية
وتسعى الدول المؤيدة للتوسع إلى ربط عملية الانضمام بتعزيز الاستقرار الأوروبي وتوسيع دائرة الدول المرتبطة بالمؤسسات الأوروبية، بينما تركز دول أخرى على الكلفة المالية والإدارية التي قد تترتب على استقبال أعضاء جدد.
ويجعل هذا التباين عملية التوسع مرتبطة بمفاوضات داخلية بين أعضاء الاتحاد بقدر ارتباطها بالإصلاحات التي يتعين على الدول المرشحة تنفيذها.
وفي المقابل، ترى دول البلقان أن استمرار الانتظار لفترات طويلة قد يضعف الحافز لإجراء الإصلاحات، ويفتح المجال أمام قوى خارجية لتعزيز نفوذها في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، يحاول الاتحاد تحقيق توازن بين إبقاء باب العضوية مفتوحاً أمام الدول المرشحة، وضمان عدم تحول عملية الانضمام إلى مسار سياسي سريع يتجاوز الشروط والمعايير الأوروبية.
خريطة عضوية جديدة
ومع استمرار الحرب في أوكرانيا وتغير البيئة الأمنية الأوروبية، يبدو أن سياسة التوسع دخلت مرحلة جديدة تتجاوز الحسابات التقليدية.
فالاتحاد بات ينظر إلى العضوية المحتملة لدول البلقان وأوروبا الشرقية باعتبارها جزءاً من إعادة تنظيم المجال السياسي والأمني المحيط به، في الوقت الذي تحاول فيه بروكسل تجنب تحميل مؤسساتها وموازناتها أعباء غير محسوبة.
وقد يكون المسار الأكثر واقعية خلال المرحلة المقبلة هو التوسع التدريجي، مع منح الدول المرشحة مزيداً من الاندماج الاقتصادي والمؤسسي قبل الوصول إلى العضوية الكاملة.
وبذلك، لا يتعلق السؤال فقط بموعد انضمام الدول المرشحة، بل أيضاً بشكل الاتحاد الأوروبي نفسه بعد التوسع، وقدرته على اتخاذ القرارات وإدارة موارده والحفاظ على تماسكه في ظل خريطة جيوسياسية تتغير بسرعة.




