ترامب يهدد “خرج”.. والذكاء الاصطناعي يدخل سباق الردع

في تصعيد جديد للحرب النفسية بين الولايات المتحدة وإيران، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقطع فيديو مولدًا بالذكاء الاصطناعي عبر حسابه على منصة «تروث سوشيال»، مرفقًا إياه بتعليق قال فيه إن «جزيرة خرج الإيرانية تتعرض للتدمير»، في إشارة بدت كأنها تهديد باستهداف أحد أبرز مراكز تصدير النفط الإيراني.
وجاء نشر المقطع عقب جولة جديدة من التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران، بعدما أعلنت الولايات المتحدة استهداف نظامي إطلاق صواريخ إيرانيين، إلى جانب مواقع قالت إنها مرتبطة بعمليات زرع ألغام بحرية قرب مضيق هرمز.
لكن المقطع أثار جدلًا واسعًا، في ظل عدم ظهور أدلة مستقلة خلال الساعات التالية لنشره تؤكد تعرض جزيرة خرج لهجوم أو دمار جديد. كما لم يقدم البيت الأبيض أو وزارة الدفاع الأميركية توضيحًا فوريًا بشأن طبيعة المقطع وما إذا كان يعكس عملية عسكرية حقيقية.
وفي إيران، قوبل منشور ترامب بالسخرية، إذ وصف مسؤول إيراني المقطع بأنه «مثير للسخرية»، مؤكدًا أن الوضع في جزيرة خرج هادئ.
وقال حامد بوفارد، الرئيس التنفيذي للشركة الوطنية الإيرانية للنفط، إن «تغريدات ترامب مثيرة للسخرية، والأوضاع في خرج هادئة ومناسبة».
وأضاف أن عمليات إنتاج النفط مستمرة، وأن العاملين في الجزيرة يواصلون مهامهم، بما في ذلك إصلاح الأضرار السابقة وتحديث المنشآت.
خرج.. شريان النفط الإيراني
تكتسب جزيرة خرج أهمية كبيرة في الحسابات الإيرانية وأسواق الطاقة العالمية، باعتبارها مركزًا رئيسيًا لتصدير النفط الإيراني، ما يجعل أي تهديد باستهدافها ذا تداعيات تتجاوز البعد العسكري إلى حركة أسواق الخام.
وترى هيلين كروفتس، رئيسة استراتيجية السلع العالمية في «ريد كابيتال»، أن الجزيرة تمثل إحدى أكثر النقاط حساسية بالنسبة إلى أسواق النفط العالمية، مشيرة إلى أن مجرد التلويح بإمكانية استهدافها يمكن أن يثير مخاوف بين المتعاملين في سوق الخام.
وبحسب كروفتس، فإن الرسالة الأميركية لا تقتصر بالضرورة على إلحاق أضرار مادية بمنشآت النفط، بل يمكن أن تهدف أيضًا إلى رفع مستوى المخاطر المحيطة بإيران والضغط على قدرتها على استخدام الطاقة والملاحة كورقة في المواجهة.
وتشير إلى أن توقيت نشر المقطع يأتي في ظل استمرار التصعيد وتعثر المسار الدبلوماسي، ما يمنح واشنطن وسيلة لإظهار قدرتها على التحرك بسرعة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ قرار بتنفيذ هجوم فعلي على منشآت النفط.
كما أن استخدام مشاهد مولدة بالذكاء الاصطناعي يمنح الإدارة الأميركية أداة إضافية في الحرب النفسية، تسمح بإيصال رسائل عن حجم القوة المحتملة من دون تحمل التداعيات العسكرية والاقتصادية المباشرة لعملية حقيقية.
الذكاء الاصطناعي يدخل معركة الردع
وترى نيكول جاريوسكي، الباحثة في برنامج السياسة الدولية بواشنطن، أن التحركات الأميركية الأخيرة قرب مضيق هرمز ركزت على أهداف عسكرية مرتبطة بالصواريخ والألغام، باعتبارها تهديدات مباشرة لحركة الملاحة.
وتعتبر أن نشر ترامب للمقطع الافتراضي يفتح مسارًا مختلفًا في إدارة المواجهة، عبر استخدام صورة رقمية لتوجيه رسالة تهديد إلى القيادة الإيرانية من دون تنفيذ ضربة واسعة على منشآت الطاقة.
وبحسب جاريوسكي، يمكن أن تصبح هذه الرسائل الرقمية جزءًا من أدوات الردع، عبر الجمع بين الضغط العسكري والحرب النفسية.
وتضيف أن طهران تعتمد في المقابل على سياسة تقوم على الصبر الاستراتيجي والتصعيد التدريجي، ما يجعل الرسائل النفسية عنصرًا إضافيًا في حسابات الطرفين.
ويضع المقطع القيادة الإيرانية أمام خيارات صعبة؛ إذ إن التعامل معه بجدية قد يدفعها إلى إعادة حساب بعض تحركاتها خشية انتقال التهديد من المجال الافتراضي إلى الواقع، بينما قد يمثل تجاهله أو السخرية منه رهانًا على عدم تحوله إلى عملية عسكرية فعلية.
النفط في قلب المواجهة
ولا تنفصل جزيرة خرج عن المعركة الأوسع المرتبطة بإمدادات النفط وحركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، إذ إن أي اضطراب واسع في منشآت التصدير الإيرانية أو حركة السفن قد ينعكس سريعًا على أسواق الطاقة العالمية.
وتسعى واشنطن إلى الجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة وتفرض تكاليف إضافية على الولايات المتحدة وحلفائها.
في المقابل، تنظر طهران إلى قدرتها على التأثير في حركة الطاقة والملاحة باعتبارها إحدى أوراق القوة التي يمكن استخدامها في مواجهة الضغوط الاقتصادية والعقوبات.
ومن هذا المنطلق، فإن مجرد الإشارة إلى استهداف جزيرة خرج تحمل وزنًا استراتيجيًا، حتى في حال عدم وقوع هجوم فعلي، لأنها تصل في الوقت نفسه إلى القيادة الإيرانية وأسواق النفط وشركات الطاقة والتأمين والمشغلين البحريين.
بين المشهد الافتراضي والواقع
تكشف التطورات الأخيرة عن اتساع نطاق أدوات المواجهة بين واشنطن وطهران، بعدما أصبحت الصور والمقاطع الرقمية جزءًا من أدوات الصراع إلى جانب الصواريخ والطائرات والمسيرات.
ويتيح الذكاء الاصطناعي إنتاج مشاهد عسكرية ذات تأثير بصري كبير، يمكن استخدامها لرفع سقف التهديد أو اختبار رد فعل الخصم، من دون تنفيذ العملية العسكرية التي تظهر في المقطع.
لكن هذه الأداة تحمل مخاطر أيضًا، إذ إن الخلط بين المحتوى الافتراضي والوقائع الميدانية قد يؤدي إلى زيادة التوتر في أسواق الطاقة أو دفع أطراف مختلفة إلى اتخاذ قرارات استنادًا إلى معلومات غير دقيقة.
وفي الحالة الإيرانية، تبدو الرسالة الأميركية قائمة على التلويح بإمكانية الانتقال من استهداف القدرات العسكرية المرتبطة بالملاحة إلى الضغط على شرايين الاقتصاد الإيراني الأكثر حساسية.
وبينما تؤكد طهران أن جزيرة خرج لم تتعرض لهجوم جديد وأن عمليات إنتاج النفط مستمرة، يعكس استخدام مقطع مولد بالذكاء الاصطناعي اتساع مساحة الحرب النفسية في المواجهة، لتصبح الصورة الرقمية نفسها أداة يمكن أن تستخدم للتأثير في حسابات الخصم والأسواق، حتى قبل وقوع أي ضربة فعلية.




