أخبــاربلاد المهجر

ترامب يعيد رسم خريطة النفوذ الأميركي في أفريقيا

في عام 2018، أثارت تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن دول أفريقية موجة واسعة من الانتقادات، وسط توقعات بأن تؤدي تلك التصريحات إلى تراجع الدور الأميركي في القارة. لكن مسار السياسة الأميركية خلال السنوات التالية أظهر اتجاهاً مختلفاً، إذ لم تنسحب واشنطن من أفريقيا، بل أعادت صياغة طبيعة حضورها وأولوياتها.

ويرى باحثون أن السياسة الأميركية في عهد ترامب تركز بصورة متزايدة على خفض الوجود العسكري المباشر، مع الإبقاء على أدوات النفوذ عبر التعاون الأمني والاستخباراتي والتدريب والشراكات مع الحكومات الأفريقية.

بين الخطاب والتحرك الميداني

رغم أن ترامب لم يزر أفريقيا خلال فترته الرئاسية الحالية، فإن الوجود العسكري الأميركي في القارة لم يتوقف. وتُظهر الوثائق الاستراتيجية الأميركية المتعاقبة أن مكافحة الجماعات المتطرفة لا تزال من أبرز أولويات واشنطن في أفريقيا.

وتزداد أهمية هذا الملف مع ارتفاع معدلات العنف المسلح في منطقة الساحل، التي باتت من أكثر مناطق العالم تأثراً بالهجمات المرتبطة بالجماعات المتطرفة.

ويشير هذا الواقع إلى وجود فارق بين الخطاب السياسي للرئيس الأميركي وبين بعض جوانب السياسة الأمنية التي تنفذها الإدارة، خصوصاً في المجالات العسكرية والاستخباراتية.

نيجيريا.. شراكة أمنية متقدمة

تمثل نيجيريا أحد أبرز نماذج التعاون الأمني الأميركي في أفريقيا. فقد أدى نشاط الجماعات المسلحة في شمال البلاد إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان خلال السنوات الماضية، ما دفع واشنطن إلى تعزيز تعاونها مع أبوجا.

ومنذ أواخر عام 2025، كثفت الولايات المتحدة تعاونها العسكري مع نيجيريا، عبر دعم عمليات المراقبة والتدريب وتبادل المعلومات، إلى جانب مشاركة وسائل عسكرية في عمليات استهدفت مواقع تابعة لجماعات مسلحة.

ويحظى الملف النيجيري باهتمام سياسي أميركي خاص، في ظل تركيز ترامب على ما يصفه باستهداف المسيحيين في البلاد. وفي المقابل، يرى باحثون أن أعمال العنف في نيجيريا تطاول جماعات دينية وعرقية مختلفة، ولا تقتصر على فئة واحدة.

الساحل.. حضور أميركي بأدوات مختلفة

أجبرت التطورات السياسية في دول الساحل واشنطن على إعادة النظر في انتشارها العسكري. فقد خسرت الولايات المتحدة قواعد جوية مهمة في النيجر عام 2024، بعد تدهور العلاقات مع السلطات العسكرية التي وصلت إلى الحكم عقب الانقلاب.

لكن خروج القوات من بعض القواعد لم يعنِ إنهاء الوجود الأميركي في المنطقة، بل دفع واشنطن إلى التركيز على دول أخرى في غرب أفريقيا، من بينها بنين وساحل العاج وتوغو وليبيريا وسيراليون وغانا والسنغال.

وتقوم الاستراتيجية الجديدة على شبكة أكثر مرونة تجمع بين المراقبة الجوية المحدودة، وأجهزة الاستشعار الأرضية، والأقمار الاصطناعية، والاتصالات التجارية، إلى جانب استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ويهدف هذا النموذج إلى الحفاظ على قدرة واشنطن على مراقبة التحركات الأمنية وتبادل المعلومات مع الجيوش المحلية، من دون العودة إلى انتشار عسكري واسع على الأرض.

محاولة لاستعادة التواصل مع دول الساحل

شهد عام 2026 مؤشرات على سعي الولايات المتحدة إلى إعادة فتح قنوات التواصل مع حكومات بوركينا فاسو ومالي والنيجر، رغم التوتر الذي نشأ بين الطرفين عقب سلسلة الانقلابات العسكرية في المنطقة.

وفي آذار 2026، أجرى مسؤولون أميركيون اتصالات رفيعة المستوى مع ممثلي الحكومات العسكرية في الدول الثلاث، في خطوة عكست محاولة واشنطن إعادة بناء العلاقات.

ويبدو أن المقاربة الجديدة تركز على خطاب السيادة وعدم التدخل، بدلاً من الضغوط السابقة، مع محاولة الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات التعاون في الملفات الأمنية ومكافحة الجماعات المسلحة.

كما شملت جهود إعادة التواصل دولاً أخرى وسعت خلال السنوات الماضية علاقاتها مع روسيا، من بينها جمهورية أفريقيا الوسطى ومدغشقر.

الصين وروسيا في قلب الحسابات

لا تنفصل التحركات الأميركية الجديدة عن المنافسة المتزايدة مع الصين وروسيا في القارة.

وتولي واشنطن أهمية خاصة للوجود الصيني في الموانئ الأفريقية، ولا سيما في غرب أفريقيا، مع توسع استثمارات الشركات الصينية في البنية التحتية والموانئ.

وتنظر الولايات المتحدة إلى تنامي قدرة الصين على استخدام الموانئ في المحيط الأطلسي باعتباره تطوراً قد يحمل تداعيات استراتيجية على أمنها ومصالحها العسكرية.

أما روسيا، فقد استفادت من تراجع النفوذ الغربي في منطقة الساحل لتعزيز حضورها الأمني عبر تشكيلات مرتبطة بها، خصوصاً في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إضافة إلى دول أفريقية أخرى.

ورغم ذلك، يرى محللون أن الدور الروسي لم يحقق نتائج حاسمة في معالجة التهديدات الأمنية، ما يتيح لواشنطن فرصة لإعادة تقديم نفسها كشريك أمني بديل أو مكمل.

أفريقيا كمجال للموارد والاستثمارات

تشير ملامح السياسة الأميركية الجديدة إلى أن واشنطن لا تنظر إلى أفريقيا من زاوية أمنية فقط، بل باعتبارها مجالاً للمنافسة الاقتصادية والوصول إلى الموارد والأسواق.

وبدلاً من الاعتماد على انتشار عسكري واسع وقواعد ثابتة، تتجه الاستراتيجية الجديدة نحو شراكات أمنية واستخباراتية وتدريبية، مدعومة بوجود جوي وبحري أكثر مرونة.

ويعكس هذا التحول محاولة لتحقيق معادلة تجمع بين تقليص تكلفة الوجود الأميركي المباشر والحفاظ على النفوذ في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية.

وبذلك، تبدو أفريقيا في الحسابات الأميركية الجديدة ساحة تجمع بين مكافحة الإرهاب والمنافسة مع القوى الكبرى وتأمين المصالح الاقتصادية والوصول إلى الموارد، مع اعتماد واشنطن بصورة أكبر على الشركاء المحليين بدلاً من الانتشار العسكري المباشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى