بعد 30 عاماً.. رسالة لـ نزار قباني تشعل التفاعل
أثارت رسالة غير منشورة سابقاً للشاعر السوري الراحل نزار قباني، وجهها إلى الفقيه والمفكر السوري مصطفى الزرقا، تفاعلاً واسعاً، بعدما كشفت جانباً لافتاً من علاقة الشاعر بأستاذه، وأظهرت عمق التقدير الذي ظل يكنّه له بعد عقود من انتهاء سنوات الدراسة.
وتعود الرسالة إلى نحو 30 عاماً، إذ كتبها قباني من لندن في 25 يوليو/تموز 1996، مستعيداً فيها ذكريات دراسته على يد الزرقا، ومعبراً عن امتنانه لأستاذ ترك أثراً عميقاً في مسيرته.
استعاد قباني في رسالته ذكريات الدراسة في كلية الحقوق بجامعة دمشق، واصفاً الزرقا بـ”الأستاذ” و”المعلم الكبير”، رغم مرور أكثر من نصف قرن على الفترة التي جمعتهما في الجامعة.
وأكد الشاعر الراحل أنه كان أحد طلاب الزرقا الذين نهلوا من علمه واستفادوا من معرفته، وذهب إلى وصف أستاذه بأنه نموذج لعصر التنوير، مقارناً إياه بشخصيات بارزة في الحضارة العربية، من بينها ابن سينا وابن رشد والفارابي.
ويعكس هذا التقدير المكانة التي احتفظ بها الزرقا في وجدان تلميذه، حتى بعد أن أصبح قباني أحد أشهر شعراء العالم العربي.
ولفت جانب آخر من الرسالة اهتمام المتابعين، ويتعلق بتعليق قباني على تجربة أستاذه الشعرية، بعدما تلقى منه نسخة من ديوانه “قوس قزح”.
وخاطب قباني أستاذه بعبارة “الزميل الشاعر”، مشيداً بانتقاله من عالم الفقه والأكاديمية إلى فضاء القصيدة، واصفاً هذه التجربة بأسلوب أدبي حمل إعجاباً واضحاً.
كما هنأه على ما اعتبره “ارتكاب إثم الشعر”، قبل أن يؤكد أن الشعر بالنسبة إليه يمثل “نقاء النقاء وطهارة الطهارة”، وهي عبارات حظيت بتداول واسع عقب ظهور الرسالة.
وحظي ديوان “قوس قزح” بإشادة خاصة من قباني، الذي رأى فيه عملاً جاء في مرحلة مثقلة بالاضطرابات، حاملاً رسائل تتصل بالأمل والسلام والجمال.
وتوقف قباني عند الصور التي استند إليها الديوان، ولا سيما الحمام والياسمين والحب، معتبراً أنها تمنح العمل بعداً إنسانياً وجمالياً يتجاوز الاختلاف في المجالات الفكرية والأدبية.
وتكشف الرسالة، وفق ما أثارته من تفاعل، عن جانب من شخصية نزار قباني، يتمثل في احتفاظه بتقدير عميق لأستاذه، رغم وجود اختلافات فكرية وأدبية سابقة بينهما.
ولم ينظر قباني إلى علاقته بالزرقا من زاوية الخلاف أو السجال، بل من موقع التلميذ الذي يعترف بفضل أستاذه، وهو ما منح الرسالة قيمة تتجاوز مضمونها الأدبي إلى بعدها الإنساني.
ويرى متابعون أن أهمية الوثيقة لا تكمن فقط في نشرها بعد مرور عقود على كتابتها، وإنما في الصورة التي تقدمها عن علاقة الأستاذ بتلميذه في الثقافة العربية، حيث يحضر الاعتراف بالفضل والامتنان بعيداً عن المنافسة والجدل.
ويعد مصطفى الزرقا أحد أبرز فقهاء الشريعة الإسلامية في سوريا خلال القرن العشرين، ومن الأسماء التي أسهمت في الربط بين الفقه الإسلامي والقانون المدني الحديث.
وُلد في حلب عام 1904 لعائلة علمية، وتلقى علومه الشرعية واللغوية على يد والده الشيخ أحمد الزرقا وعدد من علماء الشام، قبل أن يتجه إلى دراسة الحقوق، ليجمع لاحقاً بين التكوين الفقهي والدراسة القانونية.
وأسهم الزرقا في تعليم أجيال من القانونيين والمفكرين، وكان نزار قباني أحد طلابه خلال دراسته في كلية الحقوق بجامعة دمشق في العامين الدراسيين 1944 و1945.
واستمرت مسيرته لأكثر من سبعة عقود في التدريس والتأليف والإفتاء، قبل أن يتوفى عام 1999، تاركاً إنتاجاً علمياً واسعاً ومكانة بارزة في الدراسات الفقهية والقانونية.
بعد نحو ثلاثة عقود على كتابة الرسالة، أعادت كلمات نزار قباني إلى الواجهة علاقة استثنائية بين شاعر وفقيه جمعتهما قاعات الدراسة، ثم فرّق بين مساريهما اختلاف المجال والتجربة.
لكن الرسالة تؤكد أن مرور السنوات لم يمح أثر المعلم في ذاكرة التلميذ، وأن الاعتراف بالفضل يمكن أن يبقى حاضراً، حتى عندما يصبح التلميذ نفسه اسماً بارزاً في تاريخ الأدب العربي.




