اليورانيوم والصراع الإقليمي.. لماذا يُستهدف مطار نيامي؟

خلافاً للرواية الشائعة التي تربط محاولة الانقلاب الأخيرة في النيجر بتفاقم الفقر واتساع نشاط الجماعات المسلحة، يثير تكرار استهداف مطار نيامي خلال فترة قصيرة تساؤلات حول أبعاد أخرى مرتبطة بالصراع على النفوذ في المنطقة.
وتشير تقديرات مطلعة على الاتصالات الجارية بشأن النيجر ودول تحالف الساحل إلى أن التقييمات الأولية تركز على مشاركة عسكريين خدموا في وحدات منتشرة في مناطق والام وتيرا ودوسو، وسط تذمر متراكم من إدارة المواجهة مع الجماعات المسلحة والخسائر التي تكبدتها القوات المنتشرة في المناطق الغربية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
ولم تظهر، حتى الآن، مؤشرات مؤكدة على انضمام القيادات العليا للجيش إلى محاولة الانقلاب، فيما تتابع دول المنطقة رد فعل القيادة العسكرية بعد انتهاء المواجهات، وسط توقعات بإجراء تغييرات وتوقيفات داخل المؤسسة العسكرية.
3 هجمات خلال أشهر
تحول مطار «ديوري هاماني» في العاصمة نيامي إلى بؤرة أمنية خلال عام 2026، بعد تعرضه، إلى جانب القاعدة العسكرية «101»، لثلاثة هجمات خلال نحو ثمانية أشهر.
بدأت السلسلة في يناير بهجوم نُسب إلى تنظيم «داعش في الصحراء الكبرى»، استهدف المدرج والقاعدة العسكرية، في مؤشر على قدرة الجماعات المسلحة على الوصول إلى منشآت حساسة داخل العاصمة.
وفي يونيو، تعرض الموقع لهجوم آخر نُسب إلى «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، التابعة لتنظيم القاعدة، ما أثار تساؤلات بشأن قدرة الجماعات المسلحة على اختراق الإجراءات الأمنية المحيطة بالعاصمة.
أما الهجوم الثالث، فجاء في أواخر أغسطس، عندما تحركت فصائل وضباط شبان من وحدات قتالية في مناطق والام وتيرا ودوسو باتجاه العاصمة، قبل اندلاع مواجهات في محيط المطار والقاعدة العسكرية.
المطار ومخزون اليورانيوم
ولا تقتصر أهمية مطار نيامي على الجانب العسكري، إذ تربطه بعض التقديرات بملف الثروة المعدنية، ولا سيما اليورانيوم، الذي يمثل أحد أبرز موارد النيجر الاستراتيجية.
وتزامنت الهجمات الأخيرة مع إجراءات اتخذتها السلطات العسكرية لإعادة تنظيم قطاع تعدين اليورانيوم، من بينها سحب تراخيص من شركات غربية وتأميم أجزاء من القطاع، مع تعزيز التعاون مع شركات روسية.
وتتحدث تقديرات متداولة عن نقل كميات كبيرة من «الكعكة الصفراء» إلى منشآت مؤمنة داخل القاعدة العسكرية في المطار، وسط إجراءات أمنية مشددة. إلا أن هذه المعلومات لا تتوافر بشأنها، حتى الآن، بيانات مستقلة تؤكد حجم المخزون أو قيمته السوقية.
ويرى محللون أن أهمية المطار في هذه الحالة تتجاوز كونه منشأة عسكرية، نظراً إلى ارتباطه بحركة الموارد الاستراتيجية وشبكة الإمداد والتمويل التي تعتمد عليها السلطات في مواجهة الجماعات المسلحة.
اختبار لتماسك الجيش
ويرى مختصون في شؤون الساحل أن محاولة الانقلاب تمثل اختباراً حقيقياً للمؤسسة العسكرية التي بررت سيطرتها على الحكم بالحاجة إلى استعادة الأمن ورفع كفاءة الدولة في مواجهة الجماعات المسلحة.
كما أن استهداف مواقع حساسة داخل العاصمة، بالتزامن مع تحرك عناصر من وحدات عسكرية منتشرة على جبهات القتال، يرفع مستوى التحدي أمام القيادة، خصوصاً في ظل الضغوط الأمنية المتواصلة في المناطق الغربية من البلاد.
صراع دولي على النفوذ
وتتحرك أزمة النيجر ضمن بيئة إقليمية ودولية معقدة، بعد تراجع الحضور الغربي وتعزيز نيامي علاقاتها مع روسيا ودول تحالف الساحل.
وتبقى فرنسا أحد أبرز المتضررين من التحولات التي شهدتها النيجر، خصوصاً بعد إنهاء التعاون العسكري وإعادة تنظيم قطاع اليورانيوم. وقد أدى ذلك إلى تراجع نفوذ الشركات الفرنسية في قطاع كان يمثل أهمية استراتيجية بالنسبة لباريس.
في المقابل، تسعى موسكو إلى ترسيخ حضورها بوصفها شريكاً بديلاً للدول الغربية، عبر التعاون الأمني والاقتصادي، فيما يمثل قطاع الطاقة النووية أحد المجالات التي تحظى باهتمام روسي متزايد.
أما الولايات المتحدة، فتراقب التطورات من زاوية مستقبل النفوذ الروسي ومخاطر وصول الموارد الاستراتيجية إلى جهات غير حكومية أو جماعات مسلحة، إلى جانب تداعيات أي اضطراب طويل الأمد في النيجر على دول الساحل وغرب إفريقيا.
صراع إقليمي متصاعد
ولا تنفصل هذه التطورات عن التنافس بين دول تحالف الساحل، التي تضم النيجر ومالي وبوركينا فاسو، والدول المجاورة الأكثر ارتباطاً بالغرب.
وتنظر حكومات الساحل إلى السيطرة على الموارد الطبيعية باعتبارها جزءاً من سيادتها الاقتصادية، بينما تخشى دول الجوار من أن يؤدي استمرار الحكم العسكري إلى ترسيخ واقع سياسي جديد في المنطقة.
وفي ظل هذه التوازنات، بات مطار نيامي يجمع بين الأهمية العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية، ما يجعله نقطة حساسة في الصراع على مستقبل النيجر واتجاه تحالفاتها، من دون أن يعني ذلك وجود دليل حاسم على أن محاولات استهدافه ترتبط مباشرة بملف اليورانيوم.
أزمة أمنية وتوازنات حادة
وتشير المعطيات إلى أن تغيير الشركاء الدوليين لم يحسم المشكلات الأمنية التي تواجه النيجر، إذ لا تزال الجماعات المسلحة قادرة على تنفيذ هجمات مؤثرة، فيما تواجه المؤسسة العسكرية ضغوطاً متزايدة على جبهات عدة.
وبذلك، تبدو محاولة الانقلاب الأخيرة اختباراً مزدوجاً للسلطة العسكرية: قدرتها على الحفاظ على تماسك الجيش من جهة، وعلى حماية المنشآت والموارد الاستراتيجية من جهة أخرى، في وقت تتحول فيه النيجر إلى ساحة رئيسية للتنافس الدولي والإقليمي على النفوذ في منطقة الساحل.



