أخبــارتقاريرنبض الساعةهيدلاينز

المفاوضات الإيرانية تتغير.. رضائي يضيّق مساحة عراقجي

دخل ملف الاتصالات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة جديدة بعد تولي محسن رضائي أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، مع مؤشرات على اتساع دور المؤسسة الأمنية في مراجعة الرسائل المتبادلة عبر الوسطاء وتحديد الإطار العام للردود الإيرانية.

وتؤكد طهران أن الاتصالات المباشرة مع واشنطن متوقفة، وأن الرسائل المتبادلة تمر عبر قنوات ووسطاء إقليميين، في مقدمتهم باكستان وقطر.

وكان وزير الخارجية الإيراني قد أوضح خلال الأيام الأخيرة أن البلدين يتبادلان الرسائل عبر هذه القنوات، فيما أكدت وزارة الخارجية أن الملفات التفاوضية التي تديرها تخضع لإشراف المجلس الأعلى للأمن القومي، ما يعكس طبيعة توزيع الأدوار بين المؤسسات الإيرانية المعنية بالملف.

رضائي يدخل على خط الاتصالات

تشير معلومات متداولة داخل الأوساط السياسية الإيرانية إلى أن أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي بدأت، منذ تعيين رضائي، بالحصول على نسخ من الرسائل والمقترحات التي تصل إلى طهران عبر الوسطاء قبل إعداد الرد الإيراني.

وبموجب هذا الترتيب، تستمر وزارة الخارجية في إدارة الجانب الدبلوماسي ونقل الصيغ المعتمدة إلى الوسطاء، بينما يزداد دور المجلس في مراجعة مضمون الرسائل وتحديد المواقف التي يمكن اعتمادها.

ولا يعني ذلك بالضرورة إبعاد وزير الخارجية عن الملف، إذ يواصل الفريق الدبلوماسي متابعة الاتصالات، لكن القرار المتعلق بالخطوط العامة للرد يبدو أكثر ارتباطاً بالمؤسسة الأمنية.

ويشارك في مناقشة هذه الملفات عدد من المسؤولين المرتبطين بالمجلس والمؤسسات العسكرية والأمنية، في ظل وجود شخصيات تمثل المرشد الإيراني داخل هيكل المجلس، ما يمنح الملف بعداً يتجاوز وزارة الخارجية والرئاسة.

زيارة باكستانية تكشف توزيع الأدوار

وتزامنت هذه التغييرات مع زيارة وزير الداخلية الباكستاني إلى طهران في 12 آب/أغسطس، حيث التقى عدداً من المسؤولين الإيرانيين، بينهم الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية، قبل أن يجتمع مع رضائي.

واكتسب اللقاء أهمية لكونه جاء بعد وقت قصير من تولي رضائي منصبه، وفي ظل استمرار استخدام باكستان إحدى القنوات الإقليمية لنقل الرسائل بين طهران وواشنطن.

ورغم أن اللقاءات تناولت، وفق المعطيات الرسمية، قضايا تتصل بالتعاون الأمني والسياسي بين البلدين، فإن توقيتها أظهر اتساع دائرة المسؤولين المشاركين في إدارة الاتصالات المرتبطة بالملفات الإقليمية الحساسة.

وتشير المعطيات إلى أن الرئيس الإيراني يتلقى تقارير حول مسار الاتصالات، إلا أن هامش الرئاسة في صياغة موقف مستقل تجاه واشنطن يبدو محدوداً مقارنة بدور المؤسسات الأمنية المعنية بالقرار الاستراتيجي.

تداخل الرئاسة والخارجية والمؤسسة الأمنية

ويكشف هذا الترتيب عن تعدد مراكز القرار داخل النظام الإيراني في التعامل مع العلاقة مع الولايات المتحدة.

فوزارة الخارجية تتولى الجانب الدبلوماسي والتواصل مع الوسطاء، بينما يملك المجلس الأعلى للأمن القومي صلاحية تنسيق السياسات الأمنية والاستراتيجية، في حين تظل المؤسسات العسكرية والأمنية طرفاً أساسياً في القضايا المتعلقة بالتصعيد والقدرات العسكرية.

ويزداد هذا التداخل تعقيداً مع استمرار الخلافات السياسية الداخلية حول طريقة إدارة العلاقة مع واشنطن. فقد تعرضت الحكومة خلال الفترة الأخيرة لانتقادات من شخصيات محسوبة على التيار المحافظ، على خلفية مواقفها من التعيينات الأمنية والسياسة الخارجية.

وتعكس هذه الانتقادات وجود تباين داخل النظام بشأن الجهة التي ينبغي أن تمتلك هامش الحركة الأكبر في الاتصالات مع الولايات المتحدة، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالعقوبات والبرنامج النووي والتصعيد الإقليمي وأمن مضيق هرمز.

واشنطن أمام خريطة قرار أكثر تعقيداً

ومن الجانب الأميركي، تفرض التغييرات داخل المؤسسات الإيرانية تحدياً إضافياً في تحديد الجهة التي تعكس القرار النهائي في طهران.

ففي الوقت الذي يبقى فيه وزير الخارجية قناة الاتصال الدبلوماسية الأساسية مع الوسطاء، يبرز المجلس الأعلى للأمن القومي بصورة أكبر في صياغة المواقف المتعلقة بالقضايا الأمنية والاستراتيجية.

ويعني ذلك أن الرسائل التي تصل عبر القنوات غير المباشرة قد تخضع لمستويات متعددة من المراجعة قبل اعتماد الرد النهائي، الأمر الذي قد يؤدي إلى إبطاء عملية اتخاذ القرار، لكنه في الوقت نفسه يضمن توافق المواقف مع المؤسسات الأمنية والعسكرية المؤثرة في السياسة الإيرانية.

ويبرز هذا الأمر بصورة خاصة في الملفات التي ترتبط بمضيق هرمز وشروط وقف المواجهة وأي ترتيبات أمنية محتملة، وهي قضايا تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المفاوضات السياسية.

تعزيز حضور المؤسسة الأمنية

ويتزامن صعود دور رضائي مع تغييرات أوسع في المواقع العسكرية والأمنية العليا، ما يعزز الانطباع بوجود توجه نحو إعطاء المؤسسة الأمنية والعسكرية دوراً أكبر في إدارة الملفات الاستراتيجية.

ويقدم النظام هذه التغييرات في إطار تعزيز الجاهزية ومواجهة التحديات الأمنية، إلا أنها في الوقت نفسه تؤشر إلى زيادة حضور الشخصيات ذات الخلفية العسكرية في عملية صنع القرار المتعلقة بالسياسة الخارجية.

ويحمل ذلك انعكاسات مباشرة على طريقة إدارة أي اتصالات مستقبلية مع واشنطن، إذ قد تصبح الاعتبارات الأمنية أكثر حضوراً في صياغة الشروط الإيرانية، مقارنة بالاعتبارات الدبلوماسية وحدها.

من يملك الكلمة الأخيرة؟

المسألة الأساسية التي تفرض نفسها حالياً داخل المشهد الإيراني لا تتعلق فقط باستمرار الاتصالات مع واشنطن، بل بالجهة التي تملك صلاحية تحديد مضمون الرد النهائي.

فإذا بقيت وزارة الخارجية في موقع الناقل والمنفذ للرسائل التي يقرها المجلس الأعلى للأمن القومي، فإن هامش الدبلوماسيين في تقديم مقترحات مستقلة أو تعديل الصيغ خلال المفاوضات سيكون أكثر محدودية.

أما استمرار تعدد المؤسسات المشاركة في الملف، من الرئاسة إلى الخارجية والمجلس والمؤسسات العسكرية، فقد يجعل الوصول إلى قرارات سريعة أكثر صعوبة، خصوصاً في القضايا التي تتطلب تنازلات متبادلة.

وفي المقابل، قد يمنح هذا الترتيب القيادة الإيرانية قدرة أكبر على ربط المسار الدبلوماسي بالاعتبارات الأمنية والعسكرية، بما يجعل أي اتفاق محتمل مع واشنطن مرتبطاً بموافقة أوسع داخل منظومة القرار.

وبذلك، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد بقاء وزارة الخارجية في واجهة الاتصالات، مع اتساع دور المجلس الأعلى للأمن القومي في تحديد مضمونها. ويعكس هذا التوزيع محاولة من طهران لإدارة القناة الدبلوماسية تحت رقابة أمنية أكثر تشدداً، في وقت تظل فيه طبيعة العلاقة مع واشنطن واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل النظام الإيراني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى