الجيش الأميركي أمام اختبار صعب.. إقالات وتحذيرات من الفراغ

كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” عن حالة من الاضطراب في قيادة القوات البرية الأميركية، على خلفية سلسلة من الإقالات والتغييرات التي طالت كبار الجنرالات بقرارات من وزير الدفاع بيت هيغسيث، بالتزامن مع انخراط القوات الأميركية في مواجهات وهجمات بالصواريخ والمسيّرات في الشرق الأوسط، واستمرار تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا.
وبحسب التقرير، لا يزال منصب رئيس أركان القوات البرية شاغراً منذ إقالة الجنرال راندي جورج في نيسان/أبريل الماضي، من دون إعلان رسمي لأسباب القرار. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين حاليين وسابقين أنه لا توجد مؤشرات واضحة إلى قرب تعيين خلف دائم له، فيما يتولى الجنرال كريستوفر لانييف المنصب بالإنابة، إلى جانب مهامه نائباً لرئيس الأركان.
وأفاد مسؤولون بأن هيغسيث دفع 3 ضباط كبار على الأقل، كانوا من أبرز المرشحين لخلافة جورج، إلى مغادرة مناصبهم. وبإضافة جورج، أُقيل نحو 6 من كبار الضباط أو غادروا مواقعهم، ما أثار مخاوف داخل المؤسسة العسكرية والكونغرس بشأن تراجع عدد القيادات ذات الخبرة.
وفي تطور آخر، رجّح مسؤولون مغادرة وزير الجيش دانيال دريسكول منصبه خلال الأشهر المقبلة، مشيرين إلى أنه غادر بالفعل المنزل الذي كان يستأجره قرب واشنطن. وكانت تقارير إعلامية قد تحدثت في وقت سابق عن احتمال رحيله.
ضغوط متزايدة على القوات البرية
تأتي هذه التغييرات في مرحلة تشهد فيها القوات البرية الأميركية نشاطاً واسعاً، إذ تضطلع وحدات الدفاع الجوي بمهام حماية القوات الأميركية في الشرق الأوسط من الهجمات الصاروخية، بينما تقدم القوات البرية في أوروبا دعماً استخباراتياً ومساندة عسكرية لأوكرانيا.
وكان دريسكول وجورج قد عملا على تسريع تحديث القوات البرية وتطوير قدراتها لمواجهة ساحات قتال يتزايد فيها استخدام المسيّرات والتقنيات الحديثة. كما كُلّف دريسكول بدور في الجهود الأميركية الرامية إلى التوصل إلى تسوية للحرب في أوكرانيا، إلا أن هذه الجهود تراجعت لاحقاً، بحسب مسؤولين تحدثوا إلى الصحيفة.
وأشار التقرير إلى تراجع التواصل بين دريسكول وهيغسيث، فيما كان دريسكول يُطرح حتى وقت قريب اسماً محتملاً لخلافة وزير الدفاع في حال مغادرته منصبه.
مخاوف من تأثير الإقالات
وحذّر النائب الديمقراطي وضابط الاستخبارات العسكرية السابق بات رايان من أن إبعاد القيادات المتمرّسة خلال فترات الحرب قد ينعكس على جاهزية القوات وقدرتها على تنفيذ مهامها، كما أبدى مخاوف من تأثير هذه التغييرات في صورة الجيش كمؤسسة غير مسيّسة وملتزمة بالدستور.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين عسكريين وأعضاء في الكونغرس مخاوفهم من أن تؤدي الإقالات إلى خلق انطباع بأن الضباط الذين يقدمون مشورة عسكرية صريحة، أو الذين لا ينسجمون مع توجهات القيادة السياسية، قد يخسرون مواقعهم.
في المقابل، أحال مكتب هيغسيث الأسئلة المتعلقة بالإقالات إلى القوات البرية، التي رفضت التعليق على مستقبل دريسكول، مؤكدة أنها لا تتعامل مع التكهنات بشأن التغييرات القيادية.
وقالت المتحدثة باسم الجيش سينثيا سميث إن القادة يواصلون تنفيذ المهام وتحقيق الأهداف الاستراتيجية، مؤكدة استمرار برامج التحديث والحفاظ على جاهزية القوات.
تراجع عدد الجنرالات
ووفق التقرير، تراجع عدد جنرالات القوات البرية برتبة 4 نجوم من 10 في كانون الثاني/يناير 2025 إلى 5 حالياً، وهو مستوى وصفته الصحيفة بأنه الأدنى منذ عقود. كما باتت بعض المناصب تُشغل مؤقتاً من ضباط ينتمون إلى فروع عسكرية أخرى، فيما أُلغيت مناصب إضافية.
ومن بين المناصب الشاغرة منذ أشهر قيادة التحول والتدريب، التي اختار هيغسيث الجنرال ديفيد هودن لتوليها الصيف الماضي، قبل إقالته بعد نحو 8 أشهر من دون إعلان سبب القرار.
وتتولى هذه القيادة مسؤولية تدريب وتجهيز الوحدات البرية، بما فيها أطقم منظومات “باتريوت” المستخدمة في حماية القواعد الأميركية في الشرق الأوسط.
وفي تموز/يوليو الماضي، خُفّضت رتبة منصب الجنرال كريستوفر دوناهيو، المشرف على القوات البرية الأميركية في أوروبا، من 4 نجوم إلى 3، ما قد يدفعه إلى التقاعد ما لم يُعيّن في منصب آخر برتبة أعلى.
أما جورج، فكان مسؤولاً عن تدريب وتجهيز القوات البرية حول العالم، إلى جانب جهود تسريع شراء الذخائر والأسلحة التي تعاني القوات نقصاً فيها، وبينها صواريخ “باتريوت” و”أتاكمز”.
خلافات حول التعيينات
وبحسب التقرير، واجه جورج صعوبة في بناء علاقة عمل مستقرة مع هيغسيث، الذي دخل وزارة الدفاع وسط انتقادات للقيادات العسكرية العليا.
كما تناولت الصحيفة الخلافات المرتبطة بتعيين لانييف نائباً لرئيس أركان القوات البرية، بعد إبعاد الجنرال جيمس مينغوس في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، قبل موعد مغادرته المقرر.
وأثار إبعاد مينغوس من دون إعلان أسباب اعتراض بعض أعضاء مجلس الشيوخ، فيما عُلّق ترشيح لانييف لفترة من الوقت على خلفية ما وصفه مشرعون بنقص في الشفافية بشأن قرارات التعيين ووضع مخزونات الذخائر.
وبحسب مسؤولين في الكونغرس ووزارة الدفاع، اتهم هيغسيث جورج بمحاولة التأثير في المشرعين لعرقلة ترشيح لانييف، بينما نفى مسؤولون في الكونغرس ذلك، وقالوا إن جورج دعم المضي في التعيين حفاظاً على مصلحة القوات البرية.
وتولى لانييف منصب نائب رئيس الأركان في شباط/فبراير الماضي، قبل أن يُقال جورج بعد أقل من شهرين في مكالمة هاتفية استغرقت نحو 15 ثانية، وفق مسؤولين في وزارة الدفاع.
ولا يحظى لانييف حتى الآن بالدعم الكافي في مجلس الشيوخ لتثبيته رئيساً للأركان، في سابقة لافتة، إذ تحظى تعيينات قادة الفروع العسكرية عادة بتأييد واسع من الحزبين.
ومن بين المعترضين السيناتورة الجمهورية جوني إرنست، التي خدمت في الحرس الوطني بولاية آيوا. وبحسب التقرير، كانت إرنست قد تلقت تأكيدات من هيغسيث بأن جورج سيكمل ولايته التي كان من المقرر أن تستمر حتى منتصف عام 2027.
وبعد إقالة جورج، تواصلت إرنست مع الرئيس دونالد ترامب للاعتراض على القرار، فيما نقلت الصحيفة عن مسؤول مطلع أن ترامب أوضح لها أن القرار يعود إلى هيغسيث، وأعرب عن أسفه لإبلاغ جورج بالقرار.
تحديث عسكري في ظل اضطراب قيادي
ومع تولي لانييف منصبي نائب رئيس الأركان ورئيس الأركان بالإنابة في الوقت نفسه، يثير منتقدون مخاوف من أن يؤدي عدم الاستقرار القيادي إلى إبطاء خطط تحديث القوات البرية، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي والمسيّرات، في ظل المنافسة العسكرية مع روسيا والصين.
وكان لانييف قد أكد في رسالة حديثة ضرورة استعداد القوات لبيئة عمليات تختلف بصورة كبيرة عن ساحات القتال السابقة، لكنه أبدى في الوقت نفسه مخاوف من أن يكون التركيز على التحديث قد جاء على حساب المهارات القتالية الأساسية.
ودعا إلى تعزيز التدريب والانضباط والعودة إلى الأساسيات، محذراً من أن أي تقصير في إعداد الجنود قد تكون له كلفة بشرية كبيرة في ساحات القتال.




