اتفاقية مكة.. خطوة نحو تحالف إقليمي؟

تطرح «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان تطوراً جديداً في المشهد الأمني الإقليمي، في ظل تحولات متسارعة في موازين القوى بالشرق الأوسط، وتراجع بعض الترتيبات الأمنية التقليدية مقابل بروز تهديدات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة وأمن الممرات البحرية.
وتجمع الاتفاقية ثلاث دول تتمتع بثقل جغرافي وسكاني وعسكري متفاوت. فالسعودية تمثل قوة عربية وخليجية رئيسية، بينما تعد تركيا لاعباً إقليمياً مؤثراً وعضواً في حلف شمال الأطلسي، في حين تمتلك باكستان قدرات عسكرية متقدمة وترسانة نووية.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن تضيف الاتفاقية بعداً جديداً إلى معادلات الردع في المنطقة، خصوصاً إذا تحولت بنودها إلى ترتيبات عملية للتنسيق الأمني والدفاعي. ويرى مراقبون أن اجتماع هذه القدرات قد يوجه رسالة مفادها أن أي تهديد لأمن الدول الأعضاء أو مصالحها الإقليمية يمكن أن يواجه برد جماعي، وإن كانت طبيعة هذا الرد لا تزال مرتبطة بآليات تنفيذ الاتفاق.
بين الردع وتجنب الحرب
لا تأتي الاتفاقية في سياق استعداد معلن لخوض مواجهة عسكرية جديدة، بل في وقت تركز فيه السعودية على التنمية والاستثمار وتنفيذ أهداف «رؤية 2030»، ما يجعل تعزيز القدرات الدفاعية جزءاً من محاولة توفير بيئة أكثر استقراراً، وليس بالضرورة تمهيداً لصراع جديد.
ويطرح ذلك تصوراً للردع يقوم على امتلاك القدرة على الرد مع تقليل احتمالات استخدامها. فكلما ارتفعت كلفة أي هجوم محتمل، تزداد فرص احتوائه قبل تحوله إلى مواجهة واسعة.
لكن نجاح هذا التصور سيبقى مرتبطاً بمدى وضوح الالتزامات المتبادلة بين الدول الثلاث، خصوصاً في حال تعرض إحدى الدول لهجوم مباشر أو توسعت مواجهة إقليمية لتشمل دول الخليج.
الاختبار الأصعب
السؤال الأساسي يتعلق بكيفية تطبيق الاتفاقية في حال اندلاع مواجهة جديدة بين إيران والولايات المتحدة، أو توسع أي نزاع إقليمي ليشمل الأراضي أو المصالح السعودية أو التركية أو الباكستانية.
وهنا تبرز تساؤلات بشأن طبيعة الاستجابة المشتركة: هل تقتصر على الدفاع عن أراضي الدول الثلاث؟ وهل يمكن أن تشمل حماية الملاحة في الخليج والبحر الأحمر؟ وما حدود التدخل العسكري في حال تعرض دولة عربية أخرى لهجوم؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع استمرار التوتر المرتبط بالبرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية وانتشار الطائرات المسيّرة والجماعات المسلحة، إضافة إلى المخاطر التي تهدد طرق التجارة والطاقة في المنطقة.
دور تركيا وباكستان
تمنح مشاركة تركيا الاتفاقية بعداً مختلفاً، في ظل اتساع دور أنقرة في ملفات الشرق الأوسط، ولا سيما بعد التحولات التي شهدتها سوريا وتراجع نفوذ إيران فيها. ومع ذلك، لا تبدو تركيا معنية بتحويل الاتفاق إلى إطار لمواجهة مباشرة مع طهران، ما يجعل طبيعة التوازن بين الردع والحفاظ على قنوات التواصل عاملاً مهماً في مستقبل الترتيب الجديد.
أما باكستان، فتضيف إلى الاتفاق قدراتها العسكرية وخبرتها في التعامل مع الأزمات الإقليمية، إلى جانب علاقاتها المتعددة مع أطراف المنطقة. ومن ثم، ستبقى طبيعة الدور الذي تختاره إسلام آباد موضع اختبار، خصوصاً إذا تطورت التوترات إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
اتفاق سياسي أم نواة لتحالف أوسع؟
يتوقف تأثير اتفاقية مكة على قدرتها على الانتقال من الإطار السياسي إلى آليات عملية، تشمل التنسيق العسكري وتبادل المعلومات والتدريب وتحديد طبيعة الاستجابة المشتركة للتهديدات.
وتشير تجارب إقليمية سابقة إلى أن الاتفاقات السياسية وحدها لا تكفي لبناء منظومات ردع فعالة، ما لم تدعمها ترتيبات واضحة تحدد المسؤوليات وآليات اتخاذ القرار والاستجابة للأزمات.
ومن هنا، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت الاتفاقية ستقود إلى حرب أو مواجهة جديدة، بل ما إذا كانت ستتمكن من خلق معادلة تجعل الحرب أقل احتمالاً.
وفي حال تطورت الاتفاقية إلى إطار أمني أكثر اتساعاً، فقد تشكل نواة لترتيبات إقليمية جديدة تتجاوز حماية الدول الثلاث إلى التعامل مع أمن الخليج والممرات البحرية والتهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
في النهاية، سيحدد أول اختبار أمني حقيقي مستقبل الاتفاقية. فإذا تمكنت من تعزيز الردع من دون دفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، فقد تتحول إلى عنصر مهم في إعادة تشكيل الأمن الإقليمي. أما إذا بقيت في حدود التفاهم السياسي، فقد يظل تأثيرها محدوداً مقارنة بحجم التوقعات التي رافقت الإعلان عنها.




