“فاتورة ترامب” تختبر دفاعات أوروبا

تواجه الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) اختباراً صعباً خلال المرحلة المقبلة، في ظل ضغوط متزايدة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لرفع الإنفاق العسكري وتقليص اعتماد القارة على المظلة الدفاعية الأميركية، بالتزامن مع مطالب أوكرانية بزيادة الدعم العسكري والمالي لمواصلة مواجهة روسيا.
ويطالب ترامب حلفاءه الأوروبيين برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، معتبراً أن تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية بات ضرورياً لتقاسم أعباء الدفاع داخل الحلف، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
ولا تأتي هذه المطالب في سياق الضغط الأميركي فقط، إذ يطالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الدول الأوروبية بزيادة مساعداتها العسكرية والمالية، والحصول على مزيد من الأسلحة، خصوصاً أن الحرب مع روسيا المستمرة منذ عام 2022 لا تبدو قريبة من نهايتها.
وخلال منتدى للصناعات الدفاعية في أنقرة، شدد زيلينسكي على حاجة بلاده إلى مزيد من أنظمة الدفاع الجوي، معتبراً أن تعزيز القدرات الدفاعية ضد الصواريخ الباليستية أصبح أولوية في ظل التطورات الأمنية العالمية.
سباق لتعزيز القدرات العسكرية
تضع الضغوط الأميركية والأوكرانية القادة الأوروبيين أمام تحديات كبيرة، إذ يتعين عليهم توفير تمويل ضخم لتحديث جيوشهم، في وقت لا تزال فيه القارة بعيدة عن تحقيق الاكتفاء العسكري الكامل، خاصة في مجالات مثل الطائرات المسيرة، وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، وبعض التقنيات العسكرية الحديثة.
وفي محاولة لإظهار التزام أوروبي بزيادة القدرات الدفاعية، أعلن حلف الناتو عن صفقات عسكرية جديدة تشمل شراء طائرات مسيرة، وطائرات استطلاع، وأنظمة دفاع جوي، ضمن مساعٍ لتعزيز جاهزية الدول الأوروبية وإقناع واشنطن بجدية خطواتها.
وتسعى الدول الأوروبية إلى توجيه الجزء الأكبر من الزيادة في الإنفاق نحو شراء أسلحة حديثة، بهدف امتلاك قدرة أكبر على مواجهة أي تهديد محتمل، بما في ذلك احتمال اضطرارها إلى الدفاع عن نفسها بقدراتها الذاتية في حال تراجع الدعم الأميركي.
كلفة اقتصادية مرتفعة
ورغم الحاجة المتزايدة إلى تعزيز الإنفاق العسكري، فإن هذه الخطوة تحمل تداعيات اقتصادية كبيرة. فمن جهة، قد تسهم في تنشيط الصناعات الدفاعية الأوروبية وخلق فرص عمل جديدة، لكنها من جهة أخرى ستفرض على الحكومات خيارات صعبة لتوفير التمويل.
وتشمل هذه الخيارات زيادة الاقتراض العام، أو رفع الضرائب، أو تقليص الإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية، وهي إجراءات قد تواجه اعتراضات سياسية وشعبية واسعة.
كما أن الوضع المالي لعدد من القوى الأوروبية الكبرى، مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، يجعل الوصول إلى نسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي أمراً بالغ الصعوبة، بسبب ارتفاع مستويات الدين العام وتكاليف خدمته.
أوروبا منقسمة حول طريق التمويل
تختلف قدرة الدول الأوروبية على تنفيذ الزيادة المطلوبة في الإنفاق الدفاعي، إذ يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات رئيسية.
تضم المجموعة الأولى الدول التي قطعت شوطاً كبيراً في رفع إنفاقها العسكري، خصوصاً الدول القريبة جغرافياً من روسيا، مثل بولندا ودول البلطيق، والتي ترى أن تعزيز الدفاع أولوية أمنية قصوى، حتى لو تطلب الأمر تقليص بعض النفقات الأخرى أو زيادة الضرائب.
أما المجموعة الثانية فتشمل دولاً تتمتع بوضع مالي أكثر مرونة، مثل ألمانيا والدنمارك والسويد، حيث تمتلك حكوماتها قدرة أكبر على الاقتراض وتمويل الزيادات العسكرية دون ضغوط اقتصادية كبيرة.
في المقابل، تواجه المجموعة الثالثة، التي تضم بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال، تحديات أكبر بسبب ارتفاع الديون العامة والقيود المالية، ما يجعل رفع الإنفاق الدفاعي بالوتيرة المطلوبة أكثر صعوبة.
تحديات داخلية في الدول الكبرى
في بريطانيا، أثار ملف زيادة ميزانية الدفاع جدلاً سياسياً واسعاً، وسط مطالب برفع الإنفاق لمواجهة التحديات الأمنية، مقابل مخاوف من تأثير ذلك على الخدمات العامة والاقتصاد.
أما فرنسا، فتسعى إلى زيادة ميزانيتها الدفاعية خلال السنوات المقبلة، لكنها تواجه معضلة تمويل هذه الزيادة في ظل الضغوط المالية والحاجة إلى ضبط العجز، ما يضع الحكومة أمام خيار صعب بين الإنفاق العسكري والبرامج الاجتماعية.
وفي إسبانيا، رفضت الحكومة سابقاً الالتزام برفع الإنفاق الدفاعي إلى مستوى 5%، مؤكدة أنها تفضل سقفاً أقل يتناسب مع أولوياتها الاقتصادية. كما تواجه البرتغال تحديات مشابهة، في ظل محدودية خطط زيادة الإنفاق العسكري.
أما إيطاليا، فاعتمدت تعديلات في طريقة احتساب بعض بنود الإنفاق الدفاعي للوصول إلى النسب المطلوبة، في وقت لا تزال فيه الزيادة الفعلية تواجه قيوداً مالية وسياسية.
خلاف سياسي مستمر
ولا يقتصر الجدل حول الإنفاق الدفاعي على الجانب المالي، بل يمتد إلى المشهد السياسي الداخلي في العديد من الدول الأوروبية.
فالأحزاب اليسارية والاشتراكية تعارض غالباً تقليص برامج الرعاية الاجتماعية لتمويل الجيوش، خشية فقدان الدعم الشعبي، بينما ترى بعض التيارات اليمينية أن مستوى التهديد الروسي لا يبرر هذه الزيادات الكبيرة في الإنفاق.
وبين الضغوط الأميركية، والحاجة إلى تعزيز الدفاع الأوروبي، والقيود الاقتصادية والخلافات السياسية الداخلية، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة معقدة. فالوصول إلى مستوى الإنفاق الذي يطالب به ترامب يتطلب قرارات مالية وسياسية كبيرة، قد تستغرق سنوات قبل أن تصبح قابلة للتنفيذ.




