تصعيد حزب الله.. رهان على العودة إلى المفاوضات

أصبح الملف اللبناني أحد المحاور الرئيسية في التفاهم الذي أعلنته الولايات المتحدة وإيران منتصف يونيو الماضي، بعدما تضمن الاتفاق بندًا ينص على “الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان”، رغم أن واشنطن كانت تتعامل في السابق مع الساحة اللبنانية باعتبارها مسارًا منفصلًا عن المفاوضات المتعلقة بالعلاقة مع طهران.
وبحسب تحليل نشره موقع “وور أون ذا روكس”، جاء إدراج لبنان في الاتفاق عقب تصعيد ميداني أعقب ضربة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، ما دفع إيران إلى التهديد بالرد. وفي تلك المرحلة، تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن الخطوة الإسرائيلية لم تكن محسوبة، قبل أن تنتهي الأزمة بتراجع مستوى التصعيد وإدخال تعديلات على التفاهم، من بينها تسريع إجراءات مرتبطة بإنهاء القيود البحرية، ليصبح الملف اللبناني جزءًا من الترتيبات النهائية.
ويشير التحليل إلى أن هذا التطور لم يكن منفصلًا عن مسار الأشهر السابقة، إذ شهدت الجبهة اللبنانية تصعيدًا متواصلًا. ووفق بيانات منسوبة إلى “الإعلام الحربي” التابع لحزب الله وتقارير بحثية مستقلة، نفذ الحزب أكثر من ألف هجوم خلال الفترة الممتدة بين منتصف أبريل ومنتصف يونيو، شملت عمليات باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ والقذائف، مع اختلاف التقديرات حول حجم هذه العمليات وطبيعتها.
واعتمد الحزب خلال تلك المرحلة على إبقاء مستوى التوتر مرتفعًا دون الانزلاق الكامل إلى حرب مفتوحة، في محاولة لرفع كلفة استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتعزيز حضور الملف اللبناني في أي مفاوضات إقليمية. وأدى هذا المسار إلى دفع واشنطن للضغط باتجاه خفض التصعيد، وإدخال الوضع اللبناني ضمن الحسابات المرتبطة بالاتفاق مع طهران.
لكن إدراج لبنان في التفاهم لم يعنِ إنهاء الأزمة، بل أضاف تعقيدًا جديدًا إلى المفاوضات، إذ بات الوضع على الجبهة اللبنانية مرتبطًا بشكل مباشر بمسار العلاقات الأميركية–الإيرانية، وبالتباينات بين أولويات الأطراف المختلفة.
في المقابل، دخل حزب الله هذه المواجهة وسط ظروف عسكرية أكثر صعوبة مقارنة بالمراحل السابقة، بعد تعرض جزء من قدراته الصاروخية لأضرار، وتشديد الرقابة على طرق الإمداد، وتأثر خطوط الدعم عبر الأراضي السورية، إضافة إلى القيود المفروضة على بعض قنوات التواصل والنقل مع إيران.
وللتعامل مع هذه التحديات، اعتمد الحزب على مزيج من الوسائل العسكرية، شمل استمرار استخدام الصواريخ إلى جانب تكثيف الاعتماد على الطائرات المسيّرة الأقل كلفة. وتشير تقارير إلى أن المسيّرات شكّلت نسبة كبيرة من الهجمات خلال الفترة الأخيرة، مستفيدة من صعوبة اعتراض بعضها مقارنة بالوسائل التقليدية.
ويصف محللون هذا الأسلوب بأنه قائم على إدارة المخاطر، حيث يتم استخدام التصعيد كأداة ضغط سياسية مع إبقاء مستوى المواجهة دون عتبة الحرب الشاملة، بما يسمح باستخدام الجبهة اللبنانية كورقة في الحسابات الإقليمية.
كما أظهر مسار العمليات ارتباطًا واضحًا بالتطورات الميدانية، إذ تصاعدت الهجمات بعد تحركات عسكرية إسرائيلية جنوب لبنان، ثم توسعت أهدافها لتشمل مواقع عسكرية وآليات وقوات ومعدات مرتبطة بالجيش الإسرائيلي.
وأدى استمرار الهجمات إلى زيادة الضغوط السياسية داخل إسرائيل، بعدما تأثرت الحياة اليومية في المناطق الشمالية، واضطر الجيش إلى إعادة تقييم انتشاره في بعض المناطق، فيما شكلت مسألة الطائرات المسيّرة تحديًا أمنيًا دفع الحكومة الإسرائيلية إلى إنشاء آليات خاصة للتعامل معها.
ووفق هذا التحليل، سعى حزب الله من خلال هذه المقاربة إلى تحقيق عدة أهداف متزامنة: الضغط على صانع القرار الإسرائيلي، تعزيز موقع إيران التفاوضي مع الولايات المتحدة، وتحميل واشنطن كلفة استمرار العمليات العسكرية.
ومنذ بداية المفاوضات، اعتبرت إيران أن الملف اللبناني جزء من الصورة الأوسع، وهو ما ظهر في تصريحات مسؤولين إيرانيين، إلى جانب استمرار التنسيق السياسي والعسكري بين طهران وحزب الله، في إطار محاولات إعادة تنظيم قدرات الحزب بعد التطورات الأمنية الأخيرة.
وفي النهاية، أدى إدراج لبنان ضمن التفاهم الأميركي–الإيراني إلى وضع واشنطن أمام معادلة معقدة؛ فمن جهة تسعى إلى تثبيت التهدئة والتوصل إلى تفاهم مع طهران، ومن جهة أخرى تواجه اختلافًا في الأولويات مع إسرائيل التي تواصل التركيز على مواجهة قدرات حزب الله ومنع إعادة بناء ترسانته العسكرية.
وبذلك تحول الملف اللبناني من ساحة مواجهة محلية إلى عنصر مؤثر في التوازنات الإقليمية، حيث باتت تطورات الجنوب اللبناني جزءًا من حسابات أوسع تتعلق بالتفاوض والردع ومستقبل الأمن في المنطقة.




