الاستثمار في الشعوب… ماكرون يغيّر قواعد اللعبة مع إفريقيا
خاص – نبض الشام
تسعى فرنسا إلى إعادة صياغة علاقتها مع القارة الأفريقية عبر تبني مقاربة جديدة ترتكز على الاقتصاد والاستثمار بدل التركيز التقليدي على التعاون العسكري والأمني، ويأتي هذا التحول في وقت تواجه فيه باريس تراجعاً واضحاً لنفوذها داخل عدد من الدول الأفريقية، خاصة بعد سلسلة الانقلابات التي شهدتها منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة.
تحول سياسي
خلال جولته الأخيرة التي شملت مصر وكينيا وإثيوبيا، ركّز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على ملفات الاستثمار والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية، مبتعداً عن الخطاب الأمني الذي طبع العلاقات الفرنسية الأفريقية لعقود طويلة.
وأكد ماكرون أن بلاده تدعم مطالب الدول الأفريقية بخفض كلفة القروض الدولية، مع توجيه الاستثمارات نحو مشاريع تساعد القارة على تحقيق سيادتها الاقتصادية والصناعية، بدل الاعتماد على المساعدات الخارجية.
ويُنظر إلى هذا التوجه باعتباره محاولة فرنسية لإعادة بناء النفوذ بطريقة مختلفة، خاصة بعد الضغوط لسحب القوات الفرنسية من دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
منافسة دولية
يرى مراقبون أن فرنسا تواجه منافسة قوية داخل القارة الأفريقية، خصوصاً من الصين وروسيا والولايات المتحدة، التي عززت حضورها الاقتصادي والسياسي في السنوات الأخيرة.
وأشار خبراء إلى أن باريس تحاول التوسع في مجالات استراتيجية مثل التعدين والطاقة والبنية التحتية، مع التركيز على معادن مهمة كاليورانيوم والليثيوم والحديد، وهي موارد باتت محور تنافس دولي متصاعد.
كما تسعى فرنسا إلى ضخ استثمارات كبيرة في شرق أفريقيا، وهي منطقة لا تُعد تقليدياً ضمن مناطق النفوذ الفرنسي، في خطوة تعكس رغبة باريس في تنويع شراكاتها بالقارة.
“العودة عبر الشعوب”
إلى جانب المشاريع الاقتصادية، تعتمد فرنسا مقاربة جديدة تقوم على تعزيز حضورها داخل المجتمعات الأفريقية مباشرة، من خلال دعم مشاريع موجهة للشباب في مجالات التكنولوجيا والطاقة والزراعة.
وتهدف هذه السياسة إلى إعادة بناء الثقة مع الشعوب الأفريقية بعيدًا عن العلاقات التقليدية القائمة مع الحكومات فقط، خاصة في ظل تنامي الغضب الشعبي تجاه فرنسا في بعض دول غرب ووسط أفريقيا.
كما تراهن باريس على أن هذه المشاريع يمكن أن تساهم في خلق مئات آلاف فرص العمل، بما يعزز الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين فرنسا والدول الأفريقية.
رؤية جديدة لأفريقيا
أكد ماكرون أن مستقبل فرنسا يرتبط بنجاح أفريقيا، مشدداً على ضرورة تغيير النظرة التقليدية للقارة باعتبارها عبئاً أو مصدر أزمات، والانتقال إلى رؤية تعتبرها فضاءً للفرص والإبداع والشراكات المستقبلية.
كما أوضح أن أفريقيا لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة صراع أو حروب بالوكالة بين القوى الدولية، في إشارة إلى التوترات التي شهدتها منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة.
تعكس التحركات الفرنسية الأخيرة محاولة واضحة لإعادة التموضع داخل أفريقيا عبر أدوات اقتصادية وثقافية جديدة، بعد تراجع النفوذ التقليدي القائم على التعاون العسكري. وبين الطموحات الفرنسية والمنافسة الدولية المتزايدة، يبقى نجاح هذه الاستراتيجية مرتبطاً بقدرة باريس على بناء شراكات متوازنة تستجيب لتطلعات الدول والشعوب الأفريقية.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




