أخبــاربلاد المهجرنبض الساعةهيدلاينز

استنزاف أمريكي في إيران ينعش رهانات روسيا.. وقلق في كييف

مع اتساع التصعيد غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت تتبلور ملامح مقاربة روسية تقوم على استثمار اتساع رقعة المواجهة في الشرق الأوسط، في وقت تحولت فيه إيران إلى ساحة صراع مفتوحة تستنزف القدرات الأمريكية عسكرياً واقتصادياً، بالتوازي مع استمرار الحرب في أوكرانيا. ويبدو أن موسكو تنظر إلى هذا المشهد بوصفه فرصة لإعادة توزيع الضغط على واشنطن عبر أكثر من جبهة في توقيت شديد الحساسية.

وخلال الأيام الماضية، أظهرت التطورات الميدانية بين الطرفين مؤشرات واضحة على هذا المسار، بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التهديدات التي تطال الممرات الحيوية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الروسي ومنحه هامشاً مالياً أوسع في ظل استفادته التقليدية من صعود أسعار النفط والغاز.

وفي هذا السياق، رأى محللون أن أي حرب طويلة الأمد في إيران ستصب في مصلحة موسكو، في مقابل تداعيات سلبية كبيرة على أوكرانيا، إذ إن انشغال الولايات المتحدة بجبهة جديدة قد يقلص قدرتها على مواصلة تزويد كييف بالأسلحة والمساعدات العسكرية بالمستوى السابق، ما ينعكس على توازنات الحرب الدائرة هناك.

في المقابل، أفادت مصادر دبلوماسية بأن طهران تدرس مقترحاً أمريكياً لوقف الحرب، لكنها لا تبدي في الوقت الراهن استعداداً للدخول في محادثات تنهي الصراع بشكل نهائي، ما يعزز احتمالات استمرار المواجهة لفترة أطول.

ورغم غياب مواقف روسية رسمية مباشرة تكشف طبيعة الدور القائم، فإن تقارير استخباراتية تحدثت عن دعم تقني واستخباراتي غير مباشر يشمل صور أقمار اصطناعية وتقنيات متقدمة مرتبطة بالطائرات المسيّرة، في وقت صدرت فيه نفيّات رسمية لأي ترتيبات استخباراتية مشتركة. هذا التناقض يعكس، بحسب خبراء، حرص موسكو على إدارة دورها من خلف الستار دون الانخراط العلني.

وفي موازاة ذلك، أظهرت تقارير أمريكية تصاعد القلق من استنزاف المخزونات العسكرية، ولا سيما الصواريخ بعيدة المدى والذخائر النوعية، ما يفرض ضغوطاً متزايدة على وزارة الدفاع الأمريكية ويثير تساؤلات متنامية حول استدامة الدعم المقدم لأوكرانيا في ظل تعدد الجبهات المفتوحة.

وعلى وقع هذه المعطيات، أكد خبراء أن إيران تبدو جبهة مرشحة لأن تتحول إلى ساحة استنزاف ممتدة تفرض على واشنطن معادلة ضغط متعددة المسارات، في حين تسعى موسكو إلى استغلال هذه الفرصة لتعزيز موقعها الاستراتيجي وإعادة تشكيل توازنات القوى الإقليمية والدولية.

وأشار خبير إلى أن موسكو تنظر إلى أي مواجهة ممتدة بين الولايات المتحدة وإيران باعتبارها فرصة استراتيجية مكتملة الأركان، لا تقتصر فوائدها على تشتيت الانتباه الأمريكي بعيداً عن الساحة الأوكرانية، بل تمتد أيضاً إلى استنزاف القدرات العسكرية النوعية لواشنطن، خاصة ما يتعلق بالذخائر المتطورة المضادة للطائرات والسفن.

وأضاف أن الرهان الروسي يتجاوز البعد العسكري المباشر إلى محاولة تحويل إيران إلى ساحة استنزاف طويلة تُرهق الولايات المتحدة تدريجياً، على غرار تجارب سابقة أظهرت الكلفة الباهظة للانخراط الأمريكي في صراعات ممتدة. وبرأيه، فإن موسكو لا تكتفي بالمراقبة، بل تمتلك القدرة على دعم استمرار هذا النمط من الصراع عبر الإسناد غير المباشر وتوفير أدوات تسهم في إطالة أمد المواجهة.

كما لفت محلل إلى وجود مؤشرات على تقديم معلومات استخباراتية دقيقة لطهران، في سياق يشبه إلى حد ما أنماط الدعم الغربي لكييف، بما يعكس توازناً غير معلن في إدارة الصراعات الدولية وتبادل أوراق الضغط بين القوى الكبرى.

وتأتي هذه التطورات، وفق تقديرات الخبراء، في توقيت تواجه فيه الولايات المتحدة ضغوطاً مالية متراكمة قد تتفاقم مع استمرار الانخراط العسكري، بما ينعكس على قدرتها الاستراتيجية بعيدة المدى، سواء في الشرق الأوسط أو في أوروبا الشرقية.

ويرى محللون أن موسكو تراهن أيضاً على تعميق الانقسامات الداخلية داخل الولايات المتحدة، مستفيدة من أي نقاشات سياسية أو اقتصادية مرتبطة بسوق الطاقة والعقوبات، خاصة مع تعقيدات الملاحة في مضيق هرمز واحتمالات تأثر تدفقات النفط العالمية.

وفي قراءة أوسع للمشهد، قال خبير إن المقاربة الروسية تقوم على توسيع دوائر الضغط على الولايات المتحدة عبر ساحات متعددة، وفي مقدمتها الشرق الأوسط، بما يعكس استراتيجية استنزاف غير مباشرة تستهدف واشنطن وحلفاءها الأوروبيين في آن واحد.

وأوضح أن موسكو تحرص في الوقت نفسه على عدم الإضرار بعلاقاتها مع القوى الخليجية، نظراً إلى حساسية التوازن في علاقاتها مع شركائها الإقليميين، الذين يمثلون وزناً مهماً في الحسابات الروسية السياسية والاقتصادية.

وأشار إلى أن الموقف الروسي المعلن من التصعيد ينطلق من الدعوة إلى الحلول الدبلوماسية، مع التشديد على ضرورة معالجة الملف النووي عبر التفاوض بما يحقق توازناً مقبولاً لجميع الأطراف، وهو خطاب يمنح موسكو هامش التحرك بين التصعيد والاحتواء.

وبيّن محللون أن التعاون بين موسكو وطهران لم يعد خافياً، بل تطور بصورة ملحوظة، لا سيما في مجالات التكنولوجيا العسكرية، إذ برزت الطائرات المسيّرة كعنصر حاسم في النزاعات الحديثة، سواء في أوكرانيا أو في ساحات أخرى.

وأضاف خبير أن تبادل الخبرات والتقنيات بين الجانبين تعزز خلال السنوات الأخيرة، مدعوماً بمناورات مشتركة وزيارات متبادلة على مستوى المؤسسات الدفاعية، ما أسهم في ترسيخ شراكة عسكرية متقدمة بين الطرفين.

ويعكس هذا التقارب، بحسب التقديرات، تحولات أوسع في بنية التحالفات الدولية، إذ تسعى روسيا إلى إدارة توازنات دقيقة بين التصعيد والاحتواء، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، مع إبقاء الساحات الإقليمية مفتوحة كأوراق ضغط في صراع النفوذ العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى