نبضات وآراءنبضاتهمهيدلاينز

عن الوطن والوطنية

مقال لـ حلمي النمنم

حين حقق الجيش المصري الانتصار العظيم يوم السادس من أكتوبر، هزت المفاجأة المصريين والعرب جميعًا، هزت كذلك معظم عواصم الدنيا، لم يكن هناك في العواصم الكبرى من توقع أن يحقق الجيش المصري بتلك السرعة الخاطفة كل ما قام به، عبور مانع مائي مفروش بأنابيب الديناميت وإزالة ساتر ترابي واقتحام حصون خط بارليف التي أجمع خبراء العسكرية في العالم أنه دونها قنبلة نووية، تفوق القوة التدميرية لقنبلة هيروشيما.

في الداخل المصري كان هناك خصوم وأعداء للرئيس السادات في السجن، أقصد المجموعة التي أطلق عليها إعلاميًا «مجموعة علي صبري»، أو جماعة «مؤامرة 15 مايو 1971»، ثلاثون شهرًا قبل المعركة وهم في الزنازين بسجن المزرعة.

كانوا جميعًا رجال دولة، لعبوا أدوارًا مهمة من قبل، وتقلدوا أرفع المناصب، قضت الخلافات السياسية بوضعهم جميعًا في السجن والتشهير بهم إعلاميا بوقائع، ربما لم تحدث ومعلومات مغلوطة، ولما أذيع في السجن خبر العبور العظيم مساء السادس من أكتوبر، بادروا بكتابة برقية إلى الرئيس للتهنئة بهذا الانتصار العظيم، الذي تم إنجازه، الطريف أن الرئيس نفسه قام بالرد على البرقية بكلمات ودودة ومقدرة.

بالتأكيد كان بينهم من اقتنع بأن تلك نهاية طبيعية لخلاف سياسي حاد، في نظام شاركوا في تأسيسه ولا يسمح بهذه الدرجة من الخلاف، وهناك من كان يشعر بالحنق والغضب من الإجراءات القاسية والمبالغ فيها من الرئيس بحقهم، وصلت إلى حد الحكم بالإعدام من محكمة خاصة بحق نائب رئيس الجمهورية سابقًا علي صبري، خفف الرئيس الحكم إلى السجن المؤبد.

مع ذلك في «المسألة الوطنية»، وفي المواقف المصيرية التي يتعرض لها الوطن، تتراجع الإحن ويجمد الغضب على الأقل. يصبح «الكل فى واحد»، طبقا لتعبير توفيق الحكيم في رائعته الأدبية «عودة الروح»، هل هناك موقف أشد من أن تخوض البلاد معركة حربية شاملة، على ذلك النحو الذي كان؟

غير الخصوم والأعداء، كان هناك آخرون خارج السجن، صحفيون وكتاب وشخصيات عامة، اختلفوا مع الرئيس السادات بسبب طول فترة «اللاحرب واللاسلم»، على رأسهم كان توفيق الحكيم ونجيب محفوظ، كانا وراء البيان الشهير سنةً 72، احتوى البيان على عبارات كانت مؤلمة فعلا للرئيس السادات، خاصة أن البيان نشر أولًا، خارج مصر، من بيروت، فانطلق الرئيس مهاجما كل منهما بالاسم بكلمات جد جارحة، في خطاب عام، وحدث أن تدخل د. محمد عبد القادر حاتم، نائب رئيس الوزراء، لإنهاء الخلاف بأن أوضح للحكيم بعض الأمور غير المعلنة والتقى الرئيس بعدها مع توفيق الحكيم في جلسة ودودة، هدأت الغضب، وبقي ما في النفوس والضمائر.

كان الحكيم محقا في قلقه، وكان الرئيس معذورا في عدم التعجيل بقرار الحرب، لم تكن الخطة اكتملت، ولا يمكنه أن يعلن للمصريين أنه قرر استبعاد الحرب وسوف يتجه للسلام، لم تكن إسرائيل لتستجيب له، كان سيحدث لنا من إسرائيل ما يحدث مع سوريا منذ عشرة شهور، لم يكن الشارع المصري على استعداد أن يتسامح في شيء من ذلك، فضلًا عن أنه لن يكون هناك مبرر لتواجد مئات الآلاف من الشباب في الخنادق وعلى الجبهة يستعدون وينتظرون.

وإذا أعلن أنه ذاهب إلى الحرب فعلًا ويخطط حرفيًا لذلك، يعطي العدو فرصة يقوم فيها بضربة استباقية، باختصار يكون كشف كل أوراقه، وهكذا كان عليه أن يتحمل الانتقادات والهجوم عليه، حتى من كتاب كبار، محسوبين على النظام ومؤسساته.

أثبتت هذه الواقعة أن هؤلاء الكتاب والصحفيين الكبار، رغم أنهم كانوا في المؤسسة الصحفية الأقرب إلى الرئاسة، كان رئيس المؤسسة وقتها، محمد حسنين هيكل، هو كاتب خطب الرئيس، إلا إنهم لم يكونوا على صلة جيدة بالأخبار والخطط العامة، تصرفوا بأحاسيس ومعلومات المواطن العادي.

لكن حين تحرك الجيش وتم عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، في لحظة ومشهد إعجازي، كتب توفيق الحكيم عمودًا نشر في الصفحة الأولى من الأهرام بعنوان «عبرنا الهزيمة»، أصبحت العبارة شعارا للمرحلة كلها، وانطلق الكتاب والشعراء الكبار على هذا النحو، هنا فعلا ذاب كل خلاف.

في الوطن والوطنية يقف الجميع على نفس الأرضية، تتنحى الخلافات السياسية والفكرية، تتلاشى الصراعات الشخصية والنزاعات الخاصة.

وقد يتصور البعض أن ذلك حدث في حرب أكتوبر 73، وأنها حالة استثنائية والنماذج الوطنية فيها يرتبطون أو هم نتاج ذلك الظرف الذي كنا فيه، حيث الهزيمة القاسية واحتلال جزء عزيز من أرض الوطن وعدو متغطرس، لن يرتدع عن التهام المزيد من الأرض إن أتيح له ذلك.

غير أن الوقائع التاريخية تؤكد أنها الروح المصرية في مختلف الأزمات واللحظات التي تكون فيها الروح الوطنية موضع اختبار.
في أثناء العدوان الثلاثي على مصر، سنة 1956، ولم نكن في موقف قتالي جيد، كان على جيشنا أن يواجه جيش الإمبراطورية البريطانية ومعه الجيش الفرنسي ثم الجيش الإسرائيلي، المدجج بأحدث الأسلحة، مع ذلك قررنا المقاومة، لحظتها كان اللواء محمد نجيب خارج كل المواقع الرسمية، يستقر في قصر بالمرج، لا يزوره أحد، كل صلاته بأهل المنطقة التي يقع بها القصر، وينتقل مرة في الأسبوع بالسيارة الرئاسية إلى منطقة عابدين، يزور بعض الأقارب، وما إن تعرضت البلاد إلى العدوان، حتى أرسل خطابًا إلى الرئيس جمال عبدالناصر، يطلب أن يسمح له بالتطوع ويشارك في الدفاع عن البلاد.

لم ينظر الرجل في عدد المناصب التي شغلها، فى وقت ما، كان رئيسًا للجمهورية ورئيس الوزراء والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وكذلك يشغل أكثر من وزارة، ولا وجود لبرلمان ولا دستور، باختصار حاكم مطلق بالمعنى الحرفي، نسي ذلك كله.

نسي أيضا أي مواقف حادة اتخذت بحقه، ولا توقف عند مضايقات أو سخافات تعرض لها، ولا تحسر على أضواء باهرة، كانت تحيط به، وكاميرات كانت تلاحقه، حتى وهو يحلق ذقنه صباحا بنفسه ويعد ذلك تواضعا وتباسطا منه، كل ذلك تناساه وألقى وراء ظهره أي صغائر، فقط تذكر أنه مصري وعليه واجب الدفاع عن تراب هذا الوطن.

النماذج عديدة وكذلك النماذج المضادة.

المصدر: المصري اليوم

تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى