العودة بقوة: أسرار نفوذ ترامب المتصاعد في ولايته الجديدة
ترجمة – نبض الشام
لم يعد دونالد ترامب الرئيس نفسه الذي واجه قيوداً صارمة في ولايته الأولى؛ فقد تحوّل إلى شخصية سياسية تتمتع بنفوذ واسع وسلطة غير مسبوقة. وبينما فشل سابقاً في فرض إرادته على المؤسسات الأمريكية، يبدو اليوم أكثر قوة بفضل تحولات سياسية داخلية وتراجع المعارضة وإعادة تشكيل الحزب الجمهوري. في ولايته الثانية، يكتب ترامب فصلاً جديداً في تاريخ السلطة التنفيذية الأمريكية.
ترامب بين ولايتين
يمارس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم قدراً أكبر بكثير من السلطة مقارنة بفترته الرئاسية الأولى. فما الذي يزوده بهذا الوقود السياسي وهذه القوة غير المسبوقة؟
هناك مقياسان أساسيان لقياس قوة أي رئيس:
عدد الصلاحيات التي يطالب بها ويمارسها.
مستوى المقاومة التي يواجهها من المؤسسات الأخرى.
في ولايته الأولى، كان ترامب يُعتبر رئيساً ضعيفاً _ربما أضعف رئيس بتاريخ أمريكا_ فعندما حاول ممارسة حتى أبسط الصلاحيات، واجه ردود فعل قوية من مؤسسات الدولة.
أحد الأمثلة البارزة: يمتلك الرئيس، بوضوح، سلطة إقالة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI). ومع ذلك، عندما أقال ترامب المدير في عام 2017، أدى ذلك إلى فتح تحقيق خاص من قبل مستشار خاص استمر قرابة عامين، وكاد أن يبتلع إدارته بأكملها. لقد كان ترامب يرغب حينها في إقالة المستشار الخاص، لكنه لم يستطع، لأن العواقب السياسية والقانونية كانت ستكون أعنف بكثير.
قوة غير مسبوقة في الولاية الثانية
مع بداية ولايته الثانية، يُنظر إلى ترامب الآن على أنه رئيس قوي بشكل تاريخي. بل هناك من يرى، كما كتب المحلل والتر راسل ميد في صحيفة وول ستريت جورنال، أنه قد جمع “سلطة أكبر من أي رئيس في وقت السلم عبر تاريخ الولايات المتحدة”.
تحكم في السياسة النقدية
لم يعد ترامب يحتاج إلى القلق بشأن إقالة كبار مسؤولي إنفاذ القانون، إذ لا يجرؤ أحد على تحدّيه الآن. هذا الأسبوع، أصبح ترامب أول رئيس في تاريخ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الممتد لـ112 عاماً يُقيل أحد أعضاء مجلس محافظيه، في خطوة تهدف إلى التحكم في السياسة النقدية الأمريكية. ومن المتوقع أن تتم مناقشة هذه القضية قضائياً، لكن من المؤكد أنه لو قام ترامب بخطوة مماثلة في ولايته الأولى، لكان الرد السياسي والبيروقراطي أكثر عنفاً بأضعاف مضاعفة.
ترامب والجيش الأمريكي
مثالًا آخر على ذلك: استخدام ترامب للجيش داخل الولايات المتحدة. ففي صيف عام 2020، كان ترامب يرغب في تجاوز سلطات حكّام الولايات وإرسال قوات إلى المدن الأمريكية للسيطرة على بعض أعمال الشغب الأكثر تدميراً في تاريخ البلاد. كان لديه مبرر معقول، إذ لم تكن السلطات المحلية قادرة على السيطرة على العنف وأعمال التخريب. ومع ذلك، عارضه مرؤوسوه ومنعوه من تنفيذ قراره.
في تلك الفترة، عندما كتب أحد أعضاء مجلس الشيوخ مقالاً في نيويورك تايمز يدعم فكرة ترامب، تسببت الضغوط الداخلية في إسقاط القيادة التحريرية للصحيفة، في دلالة على حدة المناخ السياسي حينها.
لكن في عام 2025، تغيّر المشهد جذرياً. فقد نشر ترامب قوات الحرس الوطني في لوس أنجلوس لمواجهة اضطرابات مدنية أقل حدة بكثير مما حدث عام 2020. كما أرسل الحرس الوطني إلى واشنطن العاصمة لمواجهة مخاوف عامة من ارتفاع معدلات الجريمة، بل حتى للمساعدة في تنظيف الشوارع. ووفقاً لتقارير البنتاغون، يجري حالياً تجهيز وحدة متخصصة من الحرس الوطني لمواجهة أي اضطرابات مدنية مستقبلية، بينما لمح ترامب إلى إمكانية إرسال قوات إلى شيكاغو وسان فرانسيسكو، دون أن يثير ذلك ضجة كبيرة. وكل هذا يحدث في وقت تُوصف فيه الولايات المتحدة بأنها تعيش حالة “سلام مدني نسبي”.
لماذا يزداد نفوذ ترامب الآن؟
على صعيدي نطاق السلطات وحدة المعارضة، تكاد رئاستا ترامب الأولى والثانية أن تكونا على طرفي نقيض. والسؤال هنا: لماذا؟
خاصة أن انتخابات 2024 جاءت متقاربة، وعادة ما يكون الرؤساء أضعف في فترات ولايتهم الثانية، لكن ترامب ليس شخصية سياسية عادية. وهناك أربعة تفسيرات رئيسية لذلك:
أولًا: ضعف الديمقراطيين
رغم أن الحزب الديمقراطي يحتفظ بتمثيل سياسي واسع، سواء في مجلس النواب أو عبر حكّام ولايات كبيرة، فإنه يكافح للعثور على قضية موحدة قادرة على حشد الناس.
في السابق، ركّز الديمقراطيون على التشكيك في شرعية فوز ترامب في 2016، عبر الحديث عن التدخل الروسي وتقدم هيلاري كلينتون في التصويت الشعبي. لكن هذه المبررات لم تعد متاحة الآن، مما يجعل من الصعب عليهم الطعن في رواية ترامب القائلة إنه يمثل إرادة الشعب.
لقد قضى الديمقراطيون سنوات يؤكدون أن الديمقراطية هي القيمة العليا، فكيف يمكنهم الآن معارضة الرئيس الذي يقول إنه يمثل “الإرادة الشعبية الخالصة”؟
ثانياً: ثورة داخل الحزب الجمهوري
أحدث ترامب تحولاً جذرياً داخل الحزب الجمهوري، إذ تمكن خلال أربع سنوات قضاها خارج السلطة من إعادة تشكيل الحزب وفق رؤيته الخاصة.
حالياً، نحو ثلثي أعضاء مجلس النواب الجمهوريين تم انتخابهم منذ عام 2016، بينما تقاعد العديد من أعضاء مجلس الشيوخ الأكثر استقلالية. كما نجح ترامب وحركته في تعيين شخصيات موالية وقوية في مناصب قيادية داخل السلطة التنفيذية على مختلف مستوياتها.
حتى لو كان الديمقراطيون في أفضل حالاتهم، فإن الحزب الجمهوري المتجدّد يمنح ترامب قوة أكبر بكثير مما كان يمتلكه عام 2017.
ثالثًا: أثر الملاحقات القضائية
أدت سلسلة الملاحقات القضائية التي تعرض لها ترامب خلال فترة خروجه من السلطة إلى جعله أكثر تصميماً وانتقاماً في ولايته الثانية.
فالبيت الأبيض ووزارة العدل يواجهان الآن ضغوطاً داخلية شديدة من أنصار ترامب، خصوصاً أولئك الذين يشيرون إلى أن الديمقراطيين حاولوا إدانته بجرائم كان يمكن أن تضعه في السجن مدى الحياة.
فشل هذه المحاكمات زاد من إحباط الديمقراطيين، إذ استخدموا أقصى ما لديهم من أدوات سياسية وقانونية، لكنها لم تنجح في إسقاطه، مما أدى إلى تقويض ثقتهم بأنفسهم.
رابعاً: المحكمة العليا
خلال معظم فترة ولاية ترامب الأولى، كان المحافظون يتمتعون بأغلبية 5-4 في المحكمة العليا. لكن في أواخر عام 2020، ومع تعيين إيمي كوني باريت، أصبحت الأغلبية 6-3 لصالح الجمهوريين، ما جعل رئيس المحكمة العليا جون روبرتس غير قادر على ترجيح الكفة وحده في القضايا الحساسة سياسياً.
ورغم أن المحكمة شكّلت كابحاً لسياسات ترامب الأكثر تطرفاً بشأن الهجرة، فإنها لم تعارض بقوة توسّع سلطاته التنفيذية. قد يتغير ذلك مستقبلاً مع استمرار الطعون القضائية، لكن التغيير في تركيبة المحكمة خلال ولايته الأولى ساعد على تأجيل المواجهة في ولايته الثانية.
رئاسة تتجاوز الحدود
صوّت ملايين الأمريكيين لصالح ترامب في انتخابات 2024 على أمل استعادة سياسات النجاح الاقتصادي والأمني التي ارتبطت بعهده الأول. وبعد سبعة أشهر فقط من ولايته الثانية، حصلوا على بعض تلك السياسات بالفعل، لكنهم في المقابل حصلوا أيضاً على رئاسة تتضخم سلطاتها بشكل غير مسبوق.
كانت السلطة التنفيذية تتوسع على حساب الكونغرس حتى قبل ترامب، لكن الرئيس الـ47 للولايات المتحدة أطلق العنان لكامل صلاحيات المنصب ، بل وتجاوزها.
أما التحذيرات من تهديد الديمقراطية، فلم تعد توقف هذا التمدد في سلطات ترامب، إذ يرى أنصاره أن تجسيد إرادة الناخبين هو أسمى أشكال الديمقراطية.
دخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة من السلطة التنفيذية المعززة تحت قيادة ترامب، حيث لم تعد مؤسسات الدولة قادرة على تقييده كما في السابق. وبينما يحتفي أنصاره بهذه القوة، يحذر آخرون من تداعياتها على الديمقراطية الأمريكية، في وقت يبدو أن الرئيس الـ47 يسعى إلى إعادة تشكيل النظام السياسي الأمريكي وفق رؤيته الخاصة.




