أطماع بلا حدود: إسرائيل تتمدد في الجنوب السوري… وسوريا تبحث عن مظلة ردع

في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة والتغيرات المتسارعة على الساحة الدولية، تعود سوريا إلى الواجهة، لا بوصفها لاعبًا فاعلًا، بل كساحة مفتوحة لصراعات تتشابك فيها أطراف إقليمية ودولية. فمع استمرار غياب الاستقرار الداخلي، تبرز الأطماع الإسرائيلية مجددًا في الجنوب السوري، في مشهد يذكّر بتجارب سابقة لتقويض سيادات دول المنطقة تحت ذرائع أمنية أو سياسية، وهذه المرة بغطاء دولي وتجاهل غربي شبه تام.
من الردع إلى التوسع: التحول في العقيدة الإسرائيلي في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة والتغيرات المتسارعة على الساحة الدولية، تعود سوريا إلى الواجهة، لا بوصفها لاعبًا فاعلًا، بل كساحة مفتوحة لصراعات تتشابك فيها أطراف إقليمية ودولية. فمع استمرار غياب الاستقرار الداخلي، تبرز الأطماع الإسرائيلية مجددًا في الجنوب السوري، في مشهد يذكّر بتجارب سابقة لتقويض سيادات دول المنطقة تحت ذرائع أمنية أو سياسية، وهذه المرة بغطاء دولي وتجاهل غربي شبه تام. ة
شهدت العقيدة العسكرية الإسرائيلية تحوّلًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة. فبعد أن كانت ترتكز على مفهوم “الردع الدفاعي”، باتت تميل بوضوح إلى توجهات توسعية، خاصة في الجغرافيا السورية واللبنانية. هذا التغير تعزز مع تصريحات مباشرة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عبّر فيها عن نية إسرائيل إقامة “منطقة عازلة منزوعة السلاح” داخل الأراضي السورية، وتحديدًا جنوب البلاد، في خطوة اعتبرها مراقبون تمهيدًا لرسم خرائط نفوذ جديدة تتجاوز احتلال الجولان وتفتح الباب أمام سيناريوهات تقسيم فعلية.
بناء بنى أمنية في ظل غياب الدولة المركزية
لم تكتف إسرائيل بالضربات الجوية التي طالت عمق الأراضي السورية، بل سعت إلى بناء بنية أمنية واستخباراتية في مناطق مثل درعا والقنيطرة، مستغلةً تراجع قبضة الدولة المركزية بعد سقوط النظام السابق في أواخر عام 2024. وتشير تقارير محلية إلى أن هذا الفراغ الأمني فتح الباب أمام شبكات تنسيق إسرائيلية في تلك المناطق، تحت ذرائع “مكافحة التهديد الإيراني” وحماية الجبهة الشمالية.
غياب الردع وتفكك البنية السيادية السورية
في المقابل، تبدو أدوات الردع السورية شبه غائبة. فالحرب الطويلة، والانهيار الاقتصادي، وخسائر الجيش بعد سقوط النظام، كلها عوامل أسهمت في تآكل ما تبقى من منظومة الردع. ومن جهة أخرى، فإن التدخلات الغربية، خصوصًا من واشنطن وبعض عواصم أوروبا، لم تؤدِّ إلى دعم إعادة الإعمار أو الاستقرار، بل ساهمت في تعميق الانقسام الداخلي، لا سيما مع دعم مشاريع الإدارة الذاتية لقوى محلية مثل “قوات سوريا الديمقراطية”، ما زاد من هشاشة الدولة.
نحو تحالفات استراتيجية جديدة: موسكو وأنقرة في الواجهة
أمام هذا المشهد المعقد، تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة التحالفات السورية، ليس من موقع التبعية، بل من باب الضرورة الاستراتيجية. وتُعد كل من روسيا وتركيا الطرفين القادرين على قلب موازين القوى في سوريا.
فروسيا، التي عززت وجودها العسكري من خلال قاعدة حميميم، تملك أدوات ضغط حقيقية، ليس فقط ميدانيًا، بل سياسيًا عبر عضويتها الدائمة في مجلس الأمن. ومواقف موسكو، حتى الآن، ترفض بشكل قاطع محاولات فرض تسويات دولية تُقصي دمشق أو تقوض سيادتها، ما يجعلها حليفًا لا غنى عنه في معادلة الردع ضد التمدد الإسرائيلي.
أما تركيا، فتلعب دورًا مركزيًا نتيجة قربها الجغرافي، وعلاقاتها المباشرة مع الفصائل المعارضة التي تولت مقاليد الحكم في دمشق. ما يمنحها القدرة على دعم مشروع بناء جيش وطني جديد، قادر على إعادة فرض السيادة، ومواجهة أي محاولات خارجية لزعزعة الأمن أو فرض وقائع على الأرض.
شراكة وجودية لا خيار سياسي
التاريخ الحديث يبرهن على أن سوريا التي تقف بمفردها، تُصبح عرضة للاستنزاف والتمزق. وعليه، فإن تحالفًا ذكيًا مع موسكو وأنقرة، يقوم على المصالح المشتركة، لا الارتهان، يشكل اليوم ضرورة وجودية. فمثل هذا التحالف يمكن أن يمنع تل أبيب من فرض أمر واقع جديد في الجنوب السوري، ويخلق توازن ردع حقيقي يعيد تعريف موازين القوى في المنطقة.
ما بعد الأسد… أي مستقبل للسيادة السورية؟
في مرحلة ما بعد الأسد، تبرز الحاجة إلى صياغة خطة دفاع وطني، مدعومة بتحالفات إقليمية واضحة، تحصّن ما تبقى من السيادة السورية. فالفراغ في السلطة لا يجب أن يعني فراغًا في الإرادة السياسية أو الاستراتيجية. ومن دون هذه المقاربة، ستبقى سوريا مجرد ساحة نزاع مفتوحة، تُرسم حدودها بخرائط الغير، لا بمبادراتها الوطنية.




