بدءاً من الثالث من يناير/ كانون الثاني الجاري يمكن الحديث عمّا يمكن وصفها “سابقة فنزويلا أو مادورو”، وتختلف عن التي اعتُقل فيها الرئيس البنمي مانويل نورييغا، الذي اعتقلته قوات أميركية في الثالث من يناير عام 1990، أي في اليوم نفسه، ولكن قبل 36 عاماً.
تقوم “سابقة مادورو” على استراتيجيات أميركية لاستهداف رأس النظام، اغتيالاً أو اعتقالاً، مع الإبقاء على النظام نفسه، والتعويل على ديناميات التغيير الداخلي بعد ذلك، باستخدام أقل قدر من التدخل العسكري الذي يترافق غالباً مع أكبر قدر من الحشد العسكري، وهدف الأخير سيكولوجي غالباً، واستعراضُ القوة، وربما أيضاً إنتاج الصورة: صورة الرئيس الأميركي بالدرجة الأولى في حالة ترامب.
في السابقة الفنزويلية، يبدو واضحاً أن ثمّة من تورّط وتواطأ من داخل نظام مادورو نفسه، بدءاً من نائبته ديلسي رودريغيز الذي سبق أن وصفها بالنمر في دفاعها عن نظامه، أو الجيش الفنزويلي الذي كان قد توعّد بالدفاع عن البلاد والرئيس من دون أن يفعل هذا على الإطلاق.
ثمة جبهة أخرى قد تُختبر فيها “سابقة مادورو”، وهي إيران التي لم يعد السؤال ما إذا كانت ستتعرّض لهجمات أميركية أم لا بل متى، ويُعتقد أنّ رأس النظام (علي خامنئي) سيكون المستهدف الأول في حال قرّر ترامب الهجوم، فعلى غرار مادورو فإنّ اغتيال خامنئي أو “تغييبه” وإخراجه من معادلات النفوذ والقوة داخل البلاد، من شأنه إيجاد ديناميات جديدة قد تكون متسارعة لتفكيك النظام من داخله، ومن دون الحاجة إلى تكرار نموذج غزو العراق الذي تحوّل إلى احتلال بهدف تغيير النظام لا مجرد إسقاطه.
قد تبدو استراتيجيات كهذه “هجينةً”، فهي أقل من حرب، ويعنيها هدفها الكبير من دون أي ترتيبات لاحقة تتعلق بأبواب الخروج، لأنها ببساطة عمليات عسكرية لا ترقى إلى درجة الحرب، ولا تُعنى بمفاهيم النصر والهزيمة، بل تحقيق الهدف بعمليات جراحية قاسية، وبأقل الخسائر في صفوف الأميركيين.
يمكن اعتبار الهجوم الأميركي المحتمل إسرائيلياً أكثر منه أميركياً، حتى لو لم تشارك فيه تل أبيب، فالتخلص من النظام الإيراني هدف إسرائيلي عزيز، من شأنه استكمال القضاء على ما يسمّى محور المقاومة، بإسقاط مركزه الأيديولوجي وخزّان دعمه المالي والتسليحي، وكان متوقعاً بعد سقوط أحجار الدومينو تحت الضربات الإسرائيلية، من اغتيال الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، إلى رفع اليد عن الرئيس السوري بشّار الأسد، وما بينهما.
لن يهاجم ترامب إيران انتقاماً لعدد القتلى المهول في صفوف المتظاهرين هناك (نحو ستة آلاف في أقلّ التقديرات)، فحرية التظاهر والتعبير آخر ما يُعنى به ترامب، بل لأسباب إسرائيلية، وثمّة من يرجّح أنها جزء من عمليات الضغط التي يقوم بها لإجبار نتنياهو على التراجع في ملف غزّة، وربما الدولة الفلسطينية لاحقاً. وأياً يكن الأمر، تكرار سابقة مادورو واردٌ جداً في إيران، رغم تعقيدات بنى السلطة والقوة في الحالة الإيرانية، وارتباطها بنيوياً بخامنئي، فقهياً وسلطوياً أيضاً.
والظنّ أنّ واشنطن وأذرعها الكثيرة في المنطقة والعالم تعمل، منذ وقت، على التواصل مع شخصيات متنفذة داخل النظام الإيراني، على غرار تواصلها مع نائبة مادورو وآخرين، ما يجعل من التخلص من رأس النظام عملية عسكرية جزئية تجنّب الولايات المتحدة الحرب بالمعنى التقليدية، وتحقق أهدافها في الوقت نفسه.
وكانت فكرة اغتيال خامنئي إسرائيلية في الأساس، وجرى تداولها خلال العدوان الإسرائيلي على إيران في يونيو/ حزيران الماضي، وآنذاك اعترض عليها ترامب، لا من حيث المبدأ بل التوقيت، وفي حال تنفيذها في أي هجوم جديد سيكرّس ترامب “أسلوبه”، وربما يُعمّمه عبر العالم، فلا حصانة لرئيس أو دولة أو مبدأ في العلاقات الدولية، خصوصاً أن عمليات كهذه، حتى لو أعقبتها فوضى وردود عسكرية هنا أو هناك، تظل أنجع سياسياً من التورط العسكري على الأرض.
وفي حال نجاحها بأقل الخسائر، كأن يتكفل الاغتيال نفسه بإيجاد ديناميات تغيير متسارعة ومن الصعب السيطرة عليها داخل النظام الإيراني، فإننا سنكون أمام عصر “اُقتل الرئيس وأبقِ على رجاله”، فقد نحتاجهم لتفكيك نظامه نفسه، وبأيدي أركانه، وأعلاهم صوتاً وحماسة، ألم تكن رودريغيز كذلك؟
المصدر: العربي
تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”




