رغم الحنين إليها.. هل تصمد تجربة إحياء الجرائد السورية أمام التحول الرقمي؟
خاص – نبض الشام
في الوقت الذي يركض فيه العالم نحو مستقبل رقمي متسارع، تعود الأسئلة مجدداً حول مكان الصحافة الورقية في الفضاء الإعلامي، خصوصاً بعد الحديث عن نية إعادة إصدار بعض الصحف السورية المطبوعة التي غابت لسنوات. هذا النقاش لا يعكس فقط صراعاً بين وسيلتين إخباريتين، بل يعكس أيضاً صراعاً بين زمنين، زمن اعتاد فيه القارئ على ملمس الورق وطقس الجريدة الصباحية، وزمن حديث يدفع المتلقّي إلى الاكتفاء بلمسة شاشة للحصول على خبر لحظي وتحليل فوري.
الورق والرقمنة
يؤكد صحفيون أنّ للصحافة الورقية طابعاً لا يمكن للمحتوى الإلكتروني تعويضه، فهي تقدّم مادة أكثر هدوءاً وعمقاً، وتسمح للقارئ بالتفرغ لقراءة التحقيقات والتحليلات التي غالباً ما تضيع وسط ازدحام المنشورات الرقمية. ويضيفون أنّ الجريدة الورقية كانت ولا تزال جزءاً من ذاكرة اجتماعية وثقافية، وأنّ الكثيرين يحتفظون بأعداد قديمة كوثيقة أو علامة على مرحلة زمنية.
في المقابل، يرى محللون أنّ الصحافة الرقمية أصبحت الركيزة الأساسية للإعلام الحديث، بفضل سرعتها ومرونة تحديثها وقدرتها على الوصول إلى الجمهور في أي لحظة، ما يجعل الورق عاجزاً عن المنافسة في مجال الخبر السريع، وإن كان ما يزال قادراً على لعب دور في المجالات التحليلية المتخصصة.
هل العودة ممكنة؟
يعتبر مراقبون أنّ فكرة إعادة الصحف المطبوعة قد تكون خطوة رمزية أكثر منها عملية، إلا أن لها بعداً ثقافياً لا يمكن تجاهله. فوجود صحيفة ورقية في بلد شهد أزمات طويلة يُقرأ أحياناً كإشارة لتعافي المؤسسات وعودة الطقوس القرائية اليومية التي افتقدها كثيرون.
لكن في المقابل، تُطرح تساؤلات حول القدرة على الاستمرار في ظل تكاليف الطباعة والورق، خصوصاً مع تصريحات رسمية سابقة تحدثت عن تقليص المطبوعات والقرطاسية في المؤسسات الحكومية، وهو ما انعكس مباشرة على توقف الإصدارات الورقية في سوريا، بخلاف التجارب العالمية التي أوقفت الورق مؤقتاً خلال جائحة كورونا ثم عاد معظمها سريعاً.
خصوصية الحالة السورية
يشير خبراء محليون إلى أنّ توقف بعض الصحف السورية لم يكن سببه التطور الرقمي فقط، بل أيضاً الظروف الاقتصادية وشح المواد الأساسية، إضافة إلى سياسات ترشيد الورقيات التي طُبقت قبل تغيّر المشهد السياسي في البلاد نهاية العام الماضي. ويرى هؤلاء أنّ البيئة المحلية تحتاج دعماً واضحاً كي تتمكن أي صحيفة ورقية من الاستمرار، سواء عبر تخفيض سعر البيع أو دعم تكلفة الطباعة.
خياران
بين الورق الذي يستدعي الذاكرة والشاشة التي تفرض الإيقاع، يقف مستقبل الصحافة أمام خيارين لا يتنافسان بقدر ما يكمل أحدهما الآخر. فالصحافة الورقية قد لا تستعيد حضورها السابق، لكنها تستطيع البقاء كمساحة للقراءة المتأنية والمعرفة العميقة، إذا ما أُعيد إطلاقها بوعي اقتصادي ومهني يناسب المرحلة الحالية.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




