نبضات وآراءنبضاتهمهيدلاينز

التنف: عندما تصبح الراديكالية شرطاً للاستقرار

مقال لـ الباحث السوري الدكتور سلمان ريا

التنف ليست قاعدة عسكرية معزولة في صحراء منسية، بل عقدة جيوسياسية دقيقة عند تقاطع الحدود السورية–العراقية–الأردنية، حيث تُدار الصراعات بدل أن تُحسم. من يقرأ التنف بوصفها ملفًا سوريًا فقط يفوّت جوهر المسألة: هذه نقطة حدودية تتحكم بإيقاع النفوذ بين دمشق وبغداد وعمان، وتعمل كمنظّم توتر يمنع الانفجار الشامل كما يمنع الاستقرار الكامل. لهذا السبب تحديدًا لا تُغلق التنف ولا تُسوّى، بل تُترك معلّقة بوظيفة محسوبة.

القيمة الحقيقية للتنف لا تكمن في عدد الجنود أو حجم القاعدة، بل في موقعها الذي يفصل ويصل في آن واحد بين فضاءات اجتماعية وسياسية هشّة. فهي تقطع التواصل الطبيعي بين البادية السورية وغرب العراق، وتمنع تحوّل الحدود إلى مجال سيادي مستقر. في هذا الفراغ المضبوط، يصبح إبقاء الصراع أقل كلفة من إنهائه، ويغدو الوجود العسكري المحدود أداة ضبط إيقاع لا أداة حسم.

ضمن هذه المعادلة، يعود تنظيم داعش بوظيفة مختلفة جذريًا عمّا عرفه العالم سابقًا. لم يعد التنظيم مشروع سيطرة جغرافية أو “دولة”، بل شبكة خلايا مرنة قابلة للتنشيط والتجميد. ضربات محدودة، عمليات خاطفة، حضور غير مستقر في البادية وعلى أطراف الحدود—كل ذلك يكفي لإبقاء المشهد مشحونًا دون أن يخرج عن السيطرة. الراديكالية هنا لا تُستأصل، بل تُدار؛ لا تُطلق بلا قيود، ولا تُقمع نهائيًا. إنها أداة لإبقاء الحاجة الأمنية قائمة.

تتضح هذه الوظيفة أكثر حين تُقرأ في سياق المواجهة غير المباشرة مع الحشد الشعبي. أي استقرار طويل الأمد على الحدود السورية–العراقية يعني عمليًا تحوّل الحشد من قوة تعبئة ظرفية إلى بنية أمنية حدودية مستقرة، وهو مسار غير مرغوب به أميركيًا وإقليميًا. في المقابل، وجود تهديد أمني منخفض الوتيرة—ولو عبر داعش—يقيّد هذا التحول ويمنع تثبيت نفوذ سيادي كامل. الصراع هنا لا يُدار لإلغاء طرف، بل لمنع أي طرف من التحوّل إلى ضامن استقرار نهائي.

الارتدادات الأخطر تظهر داخل العراق، وتحديدًا في الأنبار ومدن مثل الرمادي، حيث المجتمعات ذات الغالبية السنية ما زالت تعيش هشاشة ما بعد الحرب. هذه البيئات، التي لم تُدمج سياسيًا واقتصاديًا بشكل مكتمل، تبقى الأكثر حساسية لأي تصعيد حدودي. نشاط داعش—even حين يكون محدودًا—يُقرأ هناك كعودة تهديد وجودي، بينما يُقرأ أي تحرك للحشد بوصفه تمددًا طائفيًا. هكذا تُستدعى الذاكرة الجمعية، وتُعاد تعبئة الخوف، ويُفتح المجال لخطاب راديكالي مضاد، لا بقرار مركزي، بل بمنطق ردّ الفعل.

هذا التلاقي بين تهديد جهادي منخفض الشدة وتعبئة طائفية كامنة يخلق الصيغة الأكثر قابلية للإدارة من منظور القوى الكبرى: صراع لا ينتهي، لكنه لا ينفجر. توتر موزّع جغرافيًا، قابل للرفع والخفض، يبرر الوجود الخارجي ويمنع السيادة الكاملة. الراديكالية، في هذه الصيغة، ليست انحرافًا عن النظام، بل أحد شروط استمراره.

بعد عامين، إذا استمرت هذه الهندسة، لن نشهد انسحابًا أميركيًا كاملًا من التنف، ولا عودة شاملة لداعش، ولا تسوية حدودية مستقرة. سنشهد نسخة أدق من الواقع الحالي: وجود استخباراتي أخف وأكثر ذكاءً، نشاط أمني متقطع في البادية وغرب العراق، توترات طائفية تظهر وتخبو بحسب الحاجة، ومجتمعات محلية—في الأنبار والبادية السورية—تدفع الكلفة الأكبر دون أن تمتلك القدرة على التأثير في المسار.

الخلاصة التي يتجنب كثيرون قولها بوضوح هي أن التنف ليست فشلًا في صناعة السلام، بل نجاحًا في إدارة الصراع. إنها نموذج لكيفية استخدام الجغرافيا، والراديكالية، والهويات الهشّة لإبقاء المنطقة في حالة تعليق دائم. السبق الحقيقي في قراءة التنف ليس في التنبؤ بانفجار قريب، بل في فهم لماذا لا يُسمح له أن يحدث، ولماذا تُترك الراديكالية حيّة بالقدر الذي يجعل “الاستقرار” ممكنًا، لكنه أبدًا غير مكتمل.

تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى