تصعيد ينذر بمواجهة داخلية.. هل يستعيد لبنان ذاكرة 7 أيار؟

تثير التطورات الأمنية والسياسية الأخيرة في لبنان تساؤلات بشأن احتمال لجوء حزب الله إلى التصعيد الداخلي إذا اتخذت مؤسسات الدولة إجراءات تمس ترسانته العسكرية أو بنيته الأمنية، وسط تحذيرات من أن التوتر في بيروت قد يعيد إلى الواجهة سيناريو أحداث السابع من أيار 2008، وإن كانت الظروف السياسية والعسكرية الراهنة مختلفة عن تلك المرحلة.
وتشير تقديرات سياسية لبنانية إلى أن استحضار أحداث عام 2008 في الخطاب والتحركات الميدانية المرتبطة بالحزب قد يحمل رسائل ضغط إلى السلطات، مفادها أن المواجهة مع مؤسسات الدولة قد تفضي إلى تداعيات أمنية إذا مست مصالح يعتبرها الحزب أساسية.
في المقابل، ترى تقديرات أخرى أن الحزب قد لا يكون معنيّاً بالضرورة بالدخول في مواجهة مسلحة جديدة، في ظل التكاليف السياسية والشعبية التي قد تترتب عليها، وأن إبقاء احتمال التصعيد قائماً قد يشكل وسيلة ضغط لدفع السلطات إلى إعادة حساباتها قبل تنفيذ قراراتها.
مواجهة تتجاوز قضية المتفجرات
تأتي هذه التطورات في سياق تصاعد التوتر بين حزب الله ومؤسسات الدولة، على خلفية ضبط شحنة متفجرات في منطقة ضهر البيدر، والإجراءات القضائية المرتبطة بالقضية، إلى جانب القرارات الحكومية المتعلقة بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية.
وبذلك، لم تعد القضية تقتصر على مصادرة المتفجرات والتحقيق في ملابسات نقلها، بل امتدت إلى اختبار قدرة الدولة على تنفيذ قراراتها الأمنية والقضائية في مناطق يتمتع فيها الحزب بنفوذ تنظيمي وأمني.
ويبرز في هذا السياق تمسك رئيس الحكومة نواف سلام ووزير العدل عادل نصار باستمرار الإجراءات القضائية، بالتزامن مع تأكيد الرئيس جوزيف عون ضرورة تطبيق القانون. وتأتي هذه المواقف وسط ضغوط أمريكية تدعو إلى عدم إعادة المتفجرات المصادرة إلى الحزب ومحاسبة المسؤولين عن نقلها.
وتشير المواقف الرسمية المعلنة إلى استمرار السلطات في مسارها القانوني، رغم تصاعد الاعتراضات السياسية، ما يضع العلاقة بين الدولة والحزب أمام اختبار يتعلق بمدى قدرة المؤسسات الرسمية على فرض قراراتها.
تحركات الشارع تعيد مشاهد سابقة
برزت مظاهر التصعيد خلال تحركات شهدتها بيروت ومحيط الضاحية الجنوبية، حيث خرجت مجموعات من مناصري حزب الله على دراجات نارية، بالتزامن مع حادثة اعتراض دورية أمنية خلال مداهمة مستودع أدوية في منطقة غاليري سمعان.
وأعادت هذه التحركات إلى الأذهان ظاهرة «القمصان السود» التي ارتبطت بمحطات سابقة من التوتر السياسي في لبنان، حين استخدمت التحركات الميدانية لإظهار حجم النفوذ السياسي والأمني للحزب.
وتزامنت هذه المشاهد مع تصعيد في الخطاب السياسي، ولا سيما تصريحات النائب حسن فضل الله بشأن التغيرات المحتملة في المعادلة اللبنانية واستمرار السلطة بصيغتها الحالية. وقد أثارت هذه التصريحات قراءات متباينة بشأن الرسائل السياسية التي تحملها وحدود الضغط الذي يسعى الحزب إلى ممارسته على مؤسسات الدولة.
وفي حين ترى أطراف معارضة أن التحركات الأخيرة تهدف إلى التأثير في القرار الرسمي عبر الشارع، تذهب تقديرات أخرى إلى أن الضغط الميداني قد يشكل بديلاً أقل كلفة من المواجهة المسلحة المباشرة، إذا كان الهدف دفع السلطات إلى تعديل مسارها أو إبطاء تنفيذ بعض الإجراءات.
هل تتكرر أحداث السابع من أيار؟
في السابع من أيار 2008، تحولت الأزمة بين حكومة فؤاد السنيورة وحزب الله، عقب قرارات استهدفت شبكة اتصالات الحزب وأمن المطار، إلى مواجهات مسلحة انتهت بسيطرة مسلحي الحزب على مناطق في بيروت.
لكن المقارنة بين المرحلتين تواجه اختلافات جوهرية في الظروف السياسية والعسكرية. فقد تعرض الحزب خلال السنوات الأخيرة لخسائر عسكرية وقيادية، فيما تغيرت موازين القوى الداخلية والإقليمية التي تؤثر في قدرته على فرض تسويات سياسية استناداً إلى نفوذه العسكري.
كما أن المواجهة الحالية تتصل بقرارات حكومية وإجراءات قضائية وأمنية، ما يجعلها اختباراً مباشراً للعلاقة بين الحزب ومؤسسات الدولة، وليس مجرد خلاف بين قوى سياسية متنافسة.
وفي ظل هذه المعطيات، لا يعني استحضار أحداث عام 2008 بالضرورة أن تكرارها بات وشيكاً، لكنه يعكس استمرار المخاوف من استخدام القوة أو التلويح بها في سياق الخلافات الداخلية.
ضغوط سياسية وتحديات اقتصادية
تتجاوز تداعيات المواجهة الحالية الجانب الأمني، لتشمل مستقبل الاستقرار السياسي والاقتصادي في لبنان، في ظل حاجة البلاد إلى المساعدات الدولية وإعادة الإعمار وتعزيز الثقة بمؤسساتها الرسمية.
ويضع استمرار الخلاف حزب الله أمام تحديات تتعلق بحدود نفوذه السياسي والأمني، في وقت تسعى فيه السلطات إلى تأكيد صلاحيات الدولة في الملفات المرتبطة بالسلاح والأمن وتطبيق القانون.
وقد يؤدي استمرار التصعيد إلى تعميق الانقسام الداخلي ورفع مستوى التوتر بين القوى السياسية، فيما قد يفتح التوصل إلى تفاهمات حول الإجراءات القضائية والأمنية المجال أمام احتواء الأزمة ومنع انتقالها إلى الشارع بصورة أوسع.
وتبقى كلفة أي مواجهة داخلية عاملاً مؤثراً في حسابات مختلف الأطراف، نظراً إلى ما قد تتركه من تداعيات على الأمن والاستقرار والاقتصاد، فضلاً عن انعكاساتها على العلاقة بين الدولة والمجتمع.
اختبار الخطوط الحمراء
تضع التطورات الأخيرة لبنان أمام اختبار جديد لمدى قدرة مؤسسات الدولة على تنفيذ قراراتها في ظل الاعتراضات والضغوط السياسية والميدانية. وفي المقابل، يبقى موقف حزب الله من استمرار الإجراءات الرسمية عاملاً أساسياً في تحديد مسار الأزمة.
وبين التحذيرات من احتمال التصعيد والتقديرات التي ترجح الاكتفاء بالضغط السياسي والميداني، لا تتوافر مؤشرات حاسمة تسمح بالجزم بأن البلاد تتجه نحو تكرار مواجهات عام 2008.
ويظل مسار المرحلة المقبلة مرتبطاً بكيفية تعامل الطرفين مع الملفات الخلافية، ومدى قدرتهما على منع انتقال المواجهة من المؤسسات السياسية والقضائية إلى صدام أمني مباشر، في وقت يواجه فيه لبنان تحديات داخلية واقتصادية تجعل الحفاظ على الاستقرار أولوية وطنية.




