قوة دولية لغزة بين التحضيرات الأميركية والموافقة الإسرائيلية المعلّقة

بينما تنفي إسرائيل اتخاذ قرار نهائي يسمح بدخول قوة الاستقرار الدولية إلى قطاع غزة، تواصل الإدارة الأميركية التحضير لإنشاء القوة وتمويلها وتجهيز البنية اللازمة لعملها، في ظل فجوة واضحة بين التحرك الأميركي والموقف السياسي الإسرائيلي المعلن.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تفاقم الأزمة الإنسانية والصحية في القطاع، وسط كميات ضخمة من الركام وآلاف المفقودين الذين يُعتقد أن بعضهم لا يزال تحت المباني المدمرة.
وأكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن المستوى السياسي لم يصادق حتى الآن على دخول قوة الاستقرار الدولية إلى غزة، مشيراً إلى أن أي عملية لإعادة إعمار القطاع لن تبدأ قبل نزع سلاح حركة «حماس» بالكامل.
وتتزامن هذه المواقف مع خطوات أميركية عملية لإنشاء القوة، إذ خصصت إدارة الرئيس دونالد ترامب أكثر من 206 ملايين دولار لهذا الغرض، بينها 200 مليون دولار للبنية التحتية والمعدات والعمليات، و6 ملايين دولار لتجهيز مركبات مدرعة أميركية لاستخدام أفراد القوة.
ويمثل هذا التمويل أول تخصيص مالي كبير للقوة، رغم عدم حسم الشروط النهائية لنشرها داخل القطاع.
استعدادات دولية وانتشار تدريجي
وأبدت عدة دول استعدادها للمشاركة بقوات، في وقت يُفترض أن تساهم مصر والأردن في تدريب قوة الشرطة الفلسطينية الجديدة.
وبحسب التصور الأميركي، ستتولى قوة الاستقرار والشرطة الفلسطينية تدريجياً مهام أمنية في المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، إلى جانب المساهمة في تثبيت الأوضاع وتوفير الحماية للمساعدات الإنسانية ودعم عملية نزع السلاح.
وكان المجلس الوزاري الإسرائيلي قد أقر في 26 تموز إجراءات قانونية تسمح بعمل القوة، بينها منح عناصرها حصانة وفق قانون الامتيازات والحصانات الخاص بالمنظمات الدولية.
كما أُعطيت موافقة مبدئية على انتشار محدود للقوة في تجربة أولية جنوب القطاع، لكن دخول أفرادها فعلياً إلى غزة ظل بحاجة إلى موافقة سياسية إضافية من رئيس الوزراء ووزيري الدفاع والخارجية.
وتستند إسرائيل في موقفها الحالي إلى هذا التفريق بين إقرار الإطار القانوني والموافقة المبدئية على انتشار محدود، وبين السماح النهائي بدخول القوة إلى القطاع.
وكان التصور الأولي يتحدث عن نشر نحو 200 عنصر من دول صديقة، على أن يبدأ الانتشار بمحاذاة حدود منطقة إنسانية مقترحة في رفح.
وفي السياق نفسه، بدأ «مجلس السلام» إنشاء مركز لوجستي في جنوب إسرائيل لدعم عمليات القوة، من دون تحديد موعد نهائي لدخولها إلى غزة.
عقدة نزع سلاح حماس
تواجه الخطة الأميركية عقبة أساسية تتعلق بالجهة التي ستتولى عملياً نزع سلاح «حماس»، خصوصاً مع تحفظ بعض الدول المشاركة عن احتمال اضطرار قواتها إلى خوض مواجهات عسكرية لتنفيذ المهمة.
ولا تزال تفاصيل جمع الأسلحة وتدميرها وتفكيك البنية العسكرية والأنفاق ومنع إعادة التسلح غير محسومة بصورة نهائية.
كما برز خلاف بشأن آلية تسليم الأسلحة، إذ يتضمن أحد التصورات المطروحة تسليم «حماس» أسلحتها إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية، تتولى بدورها نقلها إلى قوة الاستقرار الدولية تمهيداً لتدميرها.
وتصر إسرائيل على عدم تخزين الأسلحة أو الاحتفاظ بها لاستخدامها لاحقاً، بل إخراجها نهائياً من الخدمة.
وكان هذا الملف من أبرز القضايا التي نوقشت خلال اجتماع عقده نتنياهو مع مسؤولين وأعضاء في «مجلس السلام»، أعقبه تأكيد أن الجيش الإسرائيلي لن يعيد انتشار قواته داخل القطاع قبل نزع سلاح «حماس» بالكامل وتحقيق نزع السلاح الشامل، بما يشمل الأسلحة الخفيفة والثقيلة والأنفاق.
كما جرى التأكيد على أن الأسلحة التي يتم جمعها ستُدمر، مع احتفاظ إسرائيل بحقها في تنفيذ عمليات عسكرية إذا عادت «حماس» إلى استخدام العنف أو حاولت إعادة بناء قدراتها العسكرية.
عشرات ملايين الأطنان من الركام
في موازاة المسار السياسي والأمني، تتفاقم الأزمة الإنسانية في غزة، وسط صعوبات متزايدة في تحديد أماكن المفقودين وانتشال الجثث من تحت المباني المنهارة.
وتقدر وزارة الصحة في غزة حجم الركام المتراكم في مختلف أنحاء القطاع بنحو 80 مليون طن، محذرة من أن إزالته بصورة عشوائية قد تؤدي إلى فقدان إمكانية الوصول إلى جثث ومفقودين لا يزالون تحت الأنقاض.
وتشير بيانات فلسطينية إلى أن عدد قتلى الحرب بلغ نحو 73 ألفاً، بينهم قرابة 21 ألف طفل، فيما وصل عدد الجرحى إلى نحو 174 ألفاً، مع تقديرات ببقاء نحو 9500 شخص في عداد المفقودين أو تحت الأنقاض.
ويفوق تقدير الركام الحالي تقديرات سابقة تراوحت بين أكثر من 60 مليون طن ونحو 66 مليون طن، ما يرجح أن الرقم الأحدث يمثل تقديراً فلسطينياً محدثاً لم يتم التحقق منه بصورة مستقلة من جهة دولية حتى الآن.
صعوبة انتشال الجثث
وبدأت فرق الدفاع المدني مرحلة إضافية من عمليات البحث داخل عشرات المنازل المدمرة، وسط تقديرات بوجود أكثر من ألف جثة فيها.
وتمكنت الفرق خلال مراحل سابقة من انتشال مئات الجثث وبقايا بشرية، فيما حالت محدودية المعدات الثقيلة دون الوصول إلى عدد كبير من المواقع.
وتطالب الجهات الصحية بإدخال جرافات وحفارات ومعدات ميكانيكية ثقيلة إلى القطاع، بما يسمح بإزالة الركام بصورة منظمة وآمنة، إلى جانب توفير معدات حماية لفرق الإنقاذ في ظل مخاطر تعرضها لمواد خطرة موجودة ضمن الأنقاض، بينها الأسبستوس ومواد ضارة أخرى.
أزمة صحية متفاقمة
ولا تقتصر التداعيات الإنسانية على الركام والدمار، إذ يواجه القطاع انتشاراً واسعاً للأمراض المعدية في ظل الاكتظاظ ونقص المياه النظيفة وتضرر شبكات الصرف الصحي ومواد النظافة.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة تسجيل أكثر من 58 ألف إصابة بجدري الماء منذ بداية عام 2026، مع استمرار الظروف التي تساعد على انتشار المرض، خصوصاً في أماكن تجمع النازحين.
وتشير البيانات المتداولة إلى أضرار واسعة في شبكات المياه والصرف الصحي، ما يزيد مخاطر تفشي الأمراض المعدية بين السكان، في وقت لا تزال فيه أجزاء كبيرة من البنية التحتية خارج الخدمة.
وبين قوة دولية تستعد واشنطن لتمويلها وتجهيزها، وموافقة إسرائيلية لم تصل بعد إلى مرحلة القرار السياسي النهائي، يبقى مستقبل غزة مرتبطاً بمسارين متوازيين: ترتيبات أمنية لا تزال تفاصيلها الأساسية قيد التفاوض، وأزمة إنسانية وصحية تتسع تداعياتها مع استمرار صعوبة إزالة الركام والوصول إلى المفقودين.




