صواريخ ومسيّرات وأهداف خليجية.. كيف تستعد إيران للحرب المقبلة؟

لم تنتظر إيران انتهاء التفاهم مع الولايات المتحدة للبدء في إعادة ترتيب استعداداتها العسكرية. فخلال فترة الهدوء التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار، اتجهت مؤسسات أمنية وعسكرية في طهران إلى تعزيز إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتشديد الإجراءات الأمنية، وتوسيع التنسيق مع حلفائها في المنطقة، وسط مخاوف من عودة المواجهة على نطاق أوسع.
وبحسب تقرير صحفي فرنسي، فإن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم في 17 حزيران نص على إعادة فتح مضيق هرمز تمهيداً لاستئناف المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني. وفي المقابل، تعهدت واشنطن بتقديم إعفاءات مرتبطة بالعقوبات النفطية وإتاحة الوصول إلى جزء من الأموال الإيرانية المجمدة.
لكن التفاهم لم يضع حداً للخلافات بين الطرفين، إذ تعاملت أطراف داخل المؤسسة الإيرانية مع الهدنة باعتبارها فرصة لإعادة بناء القدرات والاستعداد لاحتمال تجدد القتال، وسط اختلاف في تفسير أهداف الاتفاق وآفاقه بين طهران وواشنطن.
إعادة ترتيب المؤسسة العسكرية
شهدت المؤسسة الأمنية والعسكرية الإيرانية خلال الفترة الماضية تغييرات في مواقع قيادية، مع تعزيز حضور الحرس الثوري في عملية صنع القرار الأمني والعسكري، إلى جانب عودة شخصيات ذات خبرة طويلة في المؤسسات العسكرية إلى مواقع مؤثرة.
وتزامن ذلك مع تركيز أكبر على تطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، وتعزيز إجراءات مكافحة التجسس، وإعادة تنظيم سلسلة القيادة، في ظل خطاب رسمي أكثر تشدداً بشأن إمكانية الانتقال من الدفاع إلى تنفيذ عمليات هجومية إذا تجددت المواجهة.
وتعكس هذه التحركات، وفق قراءات سياسية وعسكرية، محاولة إيرانية للاستفادة من الدروس التي أفرزتها المواجهة السابقة، خصوصاً في ما يتعلق بحماية المنشآت العسكرية، واستمرارية منظومات الإطلاق، وتوزيع القدرات لتقليل تأثير الضربات الجوية.
توسيع التنسيق الإقليمي
لم تقتصر الاستعدادات على الأراضي الإيرانية، إذ تشير تقارير إلى استمرار التواصل بين الحرس الثوري وحلفاء طهران في العراق واليمن ولبنان.
وتتركز الاتصالات، وفق هذه التقارير، على تنسيق المواقف والاستعداد لسيناريوهات التصعيد في حال انهيار المسار الدبلوماسي، مع اهتمام خاص بالممرات البحرية والمواقع العسكرية ومنشآت الطاقة في المنطقة.
وفي اليمن، تتحدث التقارير عن استمرار الدعم الفني والاستخباراتي للحوثيين، إلى جانب تعزيز قدراتهم المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة في المناطق القريبة من البحر الأحمر. كما تتهم أطراف إقليمية مجموعات مسلحة موالية لطهران في العراق بتنفيذ أو التخطيط لهجمات تستهدف منشآت ومصالح في دول الخليج.
ويأتي ذلك في ظل أهمية مضيقي هرمز وباب المندب بالنسبة لحركة التجارة والطاقة العالمية، ما يجعل أي تصعيد فيهما قابلاً للانعكاس سريعاً على أمن الملاحة وأسواق النفط.
مضيق هرمز في قلب المواجهة
يحظى مضيق هرمز بمكانة خاصة في الحسابات الإيرانية والأميركية، نظراً لدوره في نقل جزء كبير من صادرات الطاقة من الخليج.
ومع استمرار الخلاف بشأن العقوبات والبرنامج النووي، برز المضيق مجدداً كأحد أبرز أوراق الضغط المتاحة أمام طهران. وفي المقابل، تركز واشنطن على ضمان حرية الملاحة ومنع استخدام الممر المائي كورقة ضغط في أي مواجهة مقبلة.
وتتحدث بعض التقارير عن خيارات إيرانية أكثر تصعيداً في حال فشل المفاوضات، تشمل استهداف مصالح عسكرية أو اقتصادية، أو تنفيذ عمليات ضد البنية التحتية المرتبطة بالطاقة والاتصالات، لكن هذه السيناريوهات تبقى في إطار التقديرات والتحذيرات ولم تتحول جميعها إلى أفعال مثبتة.
حسابات مختلفة داخل إيران
رغم الاستعدادات العسكرية، تواجه إيران ضغوطاً اقتصادية وعسكرية كبيرة نتيجة العقوبات والضربات التي تعرضت لها بعض منشآتها وقدراتها خلال المواجهة الأخيرة.
وفي الداخل، تتباين المقاربات بشأن المرحلة المقبلة بين اتجاه يدفع نحو تشديد المواجهة والاعتماد على القدرات العسكرية، وآخر يرى أن التوصل إلى تفاهم مع واشنطن قد يكون ضرورياً لتخفيف العقوبات والضغوط الاقتصادية.
وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن إيران تعمل على إعادة تأهيل بعض بنيتها العسكرية بوتيرة أسرع من المتوقع، وأنها لا تزال تحتفظ بقدرات يمكن أن تهدد القوات الأميركية والسفن والمنشآت الحيوية في المنطقة.
في المقابل، تراهن واشنطن على أن العقوبات والضغوط الاقتصادية والبحرية قد تدفع طهران إلى العودة إلى طاولة التفاوض وتقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي.
وبينما يستمر المسار الدبلوماسي وسط وساطات إقليمية، يبدو أن طهران تتعامل مع احتمال تجدد المواجهة باعتباره سيناريو يجب الاستعداد له. ومع استمرار سباق الضغوط والردع بين الطرفين، يبقى السؤال الأساسي مرتبطاً بقدرة المفاوضات على منع انتقال هذه الاستعدادات من مرحلة التحسب إلى مواجهة جديدة.




