إيران تعيد بناء قدرات الحوثيين البحرية.. ما الذي تستعد له؟

على وقع تصاعد التوتر في اليمن، تتجه جماعة الحوثيين إلى إعادة تنظيم آليات إدارة عملياتها المرتبطة بالبحر الأحمر، في محاولة لتحويل النشاط البحري من هجمات متفرقة إلى نهج أكثر استمرارية، بالتزامن مع حديث عن تنامي الدور الإيراني في هذا الملف.
وبحسب مصادر أمنية في الحكومة اليمنية، يجري العمل على إعادة توزيع مسؤولية القرار البحري بين عدد من الأجهزة العسكرية والأمنية والاستخباراتية، مع مشاركة خبراء إيرانيين في بعض جوانب هذا المسار.
إعادة تنظيم القرار البحري
تشير المعلومات إلى توسيع دائرة الجهات المشاركة في إدارة النشاط المرتبط بالعمليات البحرية، لتشمل جهاز الأمن والمخابرات والاستخبارات العسكرية وأجهزة أمنية ودفاعية أخرى، إلى جانب قيادات معنية بالقدرات العسكرية والعمليات الساحلية.
وتزامن ذلك، وفق المصادر، مع تطوير آليات لمتابعة حركة الملاحة، وجمع بيانات عن السفن وشركات الشحن وتصنيفها، إلى جانب متابعة الاتصالات المرتبطة بحركة السفن في البحر الأحمر وإدارة المعلومات والتحذيرات.
وتشير هذه الإجراءات إلى محاولة إنشاء منظومة أكثر تنظيماً لإدارة الملف البحري، بدلاً من تركه ضمن نطاق عمليات عسكرية منفصلة، بما قد يمنح الجماعة قدرة أكبر على متابعة حركة الملاحة وتحديد أهدافها وقراءة المخاطر المرتبطة بها.
تهديد مستمر للملاحة
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع عودة التهديدات الحوثية للملاحة في البحر الأحمر، بعد فترة من تراجع العمليات البحرية.
وأعلنت الجماعة في تموز الماضي إجراءات استهدفت سفناً مرتبطة بدول في المنطقة، قبل أن تتبعها هجمات على سفن تجارية، ما أعاد المخاوف بشأن سلامة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
وتزامن ذلك مع تصعيد ميداني على الساحل الغربي لليمن، خصوصاً في محيط الخوخة جنوبي الحديدة، والمخا وذوباب جنوب غربي تعز، وهي مناطق تتمتع بأهمية استراتيجية لقربها من الممر المؤدي إلى مضيق باب المندب.
كما شهدت الفترة الماضية محاولة لتنفيذ هجوم على جزيرة زُقر في البحر الأحمر، وفق مصادر عسكرية، في خطوة اعتُبرت اختباراً لقدرات القوات الموجودة في الجزيرة وطبيعة انتشارها.
الساحل الغربي في الحسابات العسكرية
ويرى مراقبون أن التطورات الأخيرة تعكس توجهاً للتعامل مع الساحل الغربي باعتباره نطاقاً بحرياً متكاملاً، بدلاً من الاعتماد على مواقع محددة لإدارة العمليات.
ويتيح هذا النهج توزيع القدرات العسكرية على مساحة أوسع، وتقليل الاعتماد على مواقع ثابتة، بما يصعّب عمليات الرصد والاستهداف، وفق تقديرات عسكرية.
كما يربط مراقبون بين هذا التوجه وبين الاستراتيجية الإيرانية الأوسع في المنطقة، والتي تعتمد على امتلاك أوراق ضغط مرتبطة بالممرات البحرية، من مضيق هرمز وصولاً إلى باب المندب.
حضور إيراني في المشهد
وقالت مصادر عسكرية في القوات المشتركة بالساحل الغربي إن الحوثيين أعادوا خلال الفترة الأخيرة توزيع بعض قدراتهم الجوية والصاروخية بعيداً عن المناطق الساحلية الأكثر تعرضاً للمراقبة، بالتزامن مع تصعيد قرب المخا ومناطق أخرى.
وأضافت أن هذه التحركات جاءت بعد اجتماعات لقيادات عسكرية وأمنية حوثية لبحث خيارات التصعيد وآليات التنسيق بين مختلف الوحدات، مع مشاركة مستشارين إيرانيين.
وتشير هذه المعطيات، وفق مراقبين، إلى استمرار حضور الخبرة الإيرانية في بعض جوانب التخطيط العسكري للحوثيين، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة والنشاط البحري.
تنافس داخل أجهزة الحوثيين
لكن توسيع دائرة الجهات المسؤولة عن الملف البحري لا يخلو من تحديات داخلية، في ظل تداخل الصلاحيات بين الأجهزة الأمنية والعسكرية.
وتحدث تقرير محلي حديث عن توتر بين رئيس جهاز الأمن والمخابرات الحوثي عبدالحكيم الخيواني ورئيس أركان القوات البحرية لدى الجماعة منصور السعادي، على خلفية خلافات بشأن إدارة بعض الملفات المرتبطة بالموانئ والنشاط البحري.
وبحسب التقرير، توسعت الخلافات مع تدخل جهات أمنية في ملفات كانت تُدار سابقاً ضمن نطاق القوات البحرية، ما أدى إلى احتكاكات بين مراكز النفوذ المختلفة.
وتشير المعلومات إلى تدخل قيادات حوثية عليا لمحاولة ضبط الصلاحيات ومنع الخلافات من التأثير في العمليات البحرية، إلا أن التوتر لم يُحسم بصورة نهائية.
بين التصعيد وإعادة التموضع
وتكشف هذه التطورات عن مسار مزدوج لدى الحوثيين: فمن جهة، يجري العمل على تطوير آليات إدارة النشاط البحري وتوسيع الجهات المشاركة فيه، ومن جهة أخرى تواجه الجماعة خلافات داخلية حول توزيع الصلاحيات ومراكز القرار.
وفي حال استمر هذا المسار، فقد يتحول البحر الأحمر إلى ساحة ضغط مستمرة ضمن الحسابات الإقليمية، بدلاً من اقتصار التهديدات على موجات متقطعة.
ويظل مستوى هذا التحول مرتبطاً بقدرة الحوثيين على إعادة تنظيم أجهزتهم وتنسيق قدراتهم العسكرية والأمنية، وبمدى استمرار الدعم والخبرة الإيرانية، إضافة إلى تطورات الصراع في اليمن والمنطقة.




