ضربات الحرب لم تُنهِ الحلم النووي الإيراني

بعد أكثر من خمسة أشهر على بدء الحرب ضد إيران، تتزايد التقديرات بأن الضربات الواسعة التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية تمكنت من إبطاء البرنامج النووي بشكل كبير، لكنها لم تنجح في القضاء عليه بالكامل، في وقت لا يزال فيه مصير مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% غير واضح.
وتشير تقديرات إلى أن الكميات الموجودة من هذا المخزون قد تكون كافية، بعد إخضاعها لمراحل إضافية من المعالجة والتخصيب، لإنتاج ما يصل إلى 10 قنابل نووية، ما يبقي الملف النووي الإيراني مفتوحًا رغم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المرتبطة به.
وكان منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية أحد الأهداف الرئيسية التي أعلنتها الولايات المتحدة عند بدء العمليات العسكرية ضد طهران، إلا أن التقييمات اللاحقة تشير إلى أن جزءًا مهمًا من القدرات النووية الإيرانية لا يزال قائمًا.
وتتركز أبرز التساؤلات حول مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، خصوصًا في ظل عدم قدرة الجهات الدولية على الوصول إلى المواقع النووية الأكثر حساسية بعد تقليص إيران تعاونها مع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
مخزون اليورانيوم يثير القلق
وفق تقديرات دولية، فإن إيران كانت تمتلك قبل الضربات كمية كبيرة من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة تقترب من مستوى التخصيب المطلوب لصنع سلاح نووي.
وتشير التقديرات إلى أن هذا المخزون قد يكون قادرًا، بعد مزيد من التخصيب والمعالجة، على توفير المادة الانشطارية اللازمة لإنتاج ما بين 9 و10 قنابل نووية.
وتتركز المخاوف حول ثلاثة مواقع رئيسية هي أصفهان ونطنز وفوردو، وهي المواقع التي شكلت لعقود جزءًا أساسيًا من منظومة البرنامج النووي الإيراني.
أصفهان… موقع المخزون الأكبر
يُعد مجمع أصفهان النووي أحد أبرز المواقع التي تثير القلق، إذ يُعتقد أنه كان يضم الجزء الأكبر من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
وتعرض المجمع لأضرار كبيرة خلال الضربات العسكرية، خصوصًا المنشآت المرتبطة بتحويل اليورانيوم أو تخصيبه، إلا أن التقديرات تشير إلى أن المخزون نفسه ربما لم يتعرض للتدمير، وقد يكون لا يزال موجودًا داخل الموقع.
ويرجح خبراء أن جزءًا كبيرًا من المواد النووية قد يكون مخزنًا في مناطق محمية داخل المجمع، فيما تشير تقديرات أخرى إلى احتمال وجود كميات إضافية في منشآت مثل فوردو ونطنز.
ويُخزن اليورانيوم المخصب بنسبة 60% عادة في صورة غاز “يو إف 6” داخل حاويات صغيرة نسبيًا، ما يعني أن نقل كميات كبيرة منه لا يحتاج إلى منشآت تخزين ضخمة، الأمر الذي يزيد من صعوبة التأكد من مكان وجوده.
نطنز… أضرار لا تعني نهاية الموقع
يمثل مجمع نطنز أحد أهم مراكز تخصيب اليورانيوم في إيران، ويضم منشآت بعضها تحت الأرض.
وتعرضت أجزاء من الموقع لأضرار واسعة خلال الضربات، شملت منشآت فوق الأرض ومداخل مرتبطة بالمنشآت العميقة، في محاولة لتعطيل قدرة إيران على مواصلة عمليات التخصيب.
لكن التقديرات تشير إلى أن الأضرار لا تعني بالضرورة انتهاء قدرة الموقع على العمل مستقبلًا، خصوصًا مع وجود منشآت تحت الأرض يصعب تقييم حجم الأضرار التي لحقت بها بشكل كامل.
وبالقرب من نطنز، يبرز موقع يعرف باسم “جبل الفأس”، حيث تعمل إيران منذ سنوات على إنشاء منشأة عميقة تحت الأرض لإنتاج أجهزة الطرد المركزي.
ورغم عدم دخوله مرحلة التشغيل الكامل، أظهرت صور الأقمار الصناعية استمرار أعمال البناء فيه بعد الضربات، ما أثار مخاوف من إمكانية استخدامه مستقبلًا لتعويض الخسائر التي لحقت بالمنشآت الأخرى.
فوردو… المنشأة الأكثر تحصينًا
يُعد موقع فوردو من أكثر منشآت البرنامج النووي الإيراني تحصينًا، نظرًا إلى موقعه العميق تحت الأرض وطبيعة بنيته الهندسية.
وتعرض الموقع خلال الضربات لهجمات باستخدام قنابل ثقيلة مخصصة لاختراق التحصينات، ما تسبب بأضرار كبيرة بحسب التقديرات، إلا أن تقييم وضع المنشأة بشكل نهائي لا يزال صعبًا.
وتشير صور الأقمار الصناعية إلى أن إيران اتخذت إجراءات حول مداخل الأنفاق والمنشآت المدفونة، في محاولة لتعزيز الحماية وصعوبة استهداف الموقع مستقبلًا.
لكن التقديرات تشير إلى أن التركيز خلال بعض الهجمات لم يكن على منشأة التخصيب نفسها فقط، بل شمل أيضًا منظومات الدفاع الجوي والمنشآت المحيطة بها.
إعادة بناء البرنامج ليست مستحيلة
رغم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النووية الإيرانية، لا تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على استئناف عمليات التخصيب على نطاق واسع أو إعادة تشغيل منشآت تصنيع أجهزة الطرد المركزي المتضررة.
ويعني ذلك أن التحدي الأساسي لا يتمثل في وجود نشاط نووي مكثف في الوقت الحالي، بل في قدرة إيران على إعادة بناء البرنامج واستعادة قدراتها خلال فترة زمنية قصيرة.
وتؤكد طهران أن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلمية، إلا أن استمرار تخصيب اليورانيوم إلى مستوى 60% والقيود المفروضة على عمليات الرقابة الدولية يثيران مخاوف بشأن إمكانية استخدام هذه القدرات لأهداف عسكرية.
بين إعلان التدمير وواقع القدرات
كانت الولايات المتحدة قد أكدت أن الضربات ألحقت أضرارًا كبيرة بالبرنامج النووي الإيراني، بينما تشير تقييمات أخرى إلى أن هذه العمليات أعادت البرنامج إلى الوراء لكنها لم تُنهِه.
ويرى خبراء أن بقاء جزء من البنية التحتية والمخزون النووي يمنح إيران قدرة محتملة على العودة إلى مسار إنتاج مادة انشطارية إذا قررت ذلك، خصوصًا في حال غياب الرقابة الدولية.
وتشير تقديرات إلى أن امتلاك إيران مخزونًا من اليورانيوم المخصب، إلى جانب عدد محدود من أجهزة الطرد المركزي المتطورة، قد يسمح لها بإنتاج كمية كافية لقنبلة واحدة خلال فترة قصيرة نسبيًا، لكن ذلك لا يعني امتلاك سلاح نووي جاهز للاستخدام، إذ تحتاج عملية تصنيع الرأس النووي وإيصاله إلى مراحل إضافية.
وبذلك، تبدو الضربات العسكرية قد نجحت في إلحاق أضرار واسعة وتأخير البرنامج النووي الإيراني، لكنها لم تحسم بشكل نهائي مصير المخزون المخصب أو قدرة طهران على إعادة بناء قدراتها، لتبقى هذه النقطة واحدة من أكثر القضايا حساسية في مستقبل الملف النووي الإيراني.




