أردوغان يحصد مكاسب القلق الأوروبي

تحولت قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة إلى فرصة سياسية مهمة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بعدما وجد نفسه في موقع أكثر قوة داخل التحالف، مستفيدًا من حاجة أوروبا المتزايدة إلى القدرات الدفاعية التركية، ورغبة الولايات المتحدة في تقليص أعبائها الأمنية في القارة.
فبعد سنوات من التوتر بين أنقرة والغرب بسبب ملفات سياسية وحقوقية وخلافات داخل الناتو، تبدو تركيا اليوم لاعبًا لا يمكن تجاهله، مع تصاعد الطلب الأوروبي على الصناعات الدفاعية التركية، وازدياد المخاوف من التهديد الروسي، إضافة إلى احتمال إعادة فتح ملف مقاتلات “F-35” الذي قد يمثل تحولًا كبيرًا في العلاقات بين أنقرة وواشنطن.
وخلال القمة التي تستضيفها تركيا بمشاركة قادة دول الحلف، يظهر أردوغان في موقع مختلف عما كان عليه خلال السنوات الماضية، حين واجه انتقادات غربية واسعة بسبب سياساته الداخلية، واصطدم مع عدد من أعضاء الناتو حول قضايا عدة، أبرزها اعتراضه سابقًا على انضمام السويد إلى الحلف.
لكن تغير أولويات الغرب أعاد رسم المعادلة، إذ باتت القدرات العسكرية التركية، ولا سيما في مجال الطائرات المسيّرة والصناعات الدفاعية، عنصرًا مهمًا في خطط تعزيز أمن أوروبا وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
ويبرز ملف مقاتلات “F-35” كأحد أبرز الملفات المطروحة أمام أردوغان، بعدما استُبعدت تركيا من البرنامج عام 2019 بسبب شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية “S-400”. ويثير احتمال عودة أنقرة إلى البرنامج قلقًا في إسرائيل، التي حذرت من منح تركيا هذه المقاتلات المتقدمة.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أشار إلى إمكانية اتخاذ خطوة ترضي أردوغان، فيما أفادت تقارير بأن واشنطن تدرس إعادة دمج تركيا في برنامج “F-35″، رغم استمرار العقبات القانونية والسياسية المرتبطة بملف المنظومة الروسية.
صعود الصناعة الدفاعية التركية
تسعى تركيا إلى تعزيز مكانتها داخل الناتو ليس فقط من خلال موقعها الجغرافي وجيشها الكبير، بل عبر صناعتها الدفاعية التي شهدت توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة.
وتحولت الطائرات المسيّرة التركية إلى أحد أبرز منتجات أنقرة العسكرية، خصوصًا بعد استخدامها في صراعات عدة، فيما توسعت صادرات الصناعات الدفاعية التركية إلى دول غربية وحليفة.
وترى أنقرة أن هذا التطور يمنحها فرصة لتكون شريكًا أساسيًا في إعادة بناء القدرات الدفاعية الأوروبية، خصوصًا مع دعوات واشنطن المتكررة لدول الناتو بزيادة الإنفاق العسكري وتحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة.
أوروبا بين الحاجة والانتقادات
ورغم استمرار الانتقادات الأوروبية للسياسات الداخلية في تركيا، فإن الأولويات الأمنية الجديدة دفعت العديد من العواصم الغربية إلى تبني موقف أكثر حذرًا تجاه أنقرة.
ويرى مراقبون أن حاجة أوروبا إلى التعاون الدفاعي مع تركيا جعلت ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان أقل حضورًا في الخطاب العلني مقارنة بالسنوات السابقة، مع استمرار طرحها في اللقاءات الدبلوماسية المغلقة.
وتواجه حكومة أردوغان منذ سنوات اتهامات بتقييد الحريات وملاحقة المعارضة، خصوصًا بعد اعتقال شخصيات سياسية بارزة، إلا أن هذه الملفات لم تمنع استمرار التعاون الأمني والعسكري بين تركيا والدول الغربية.
أردوغان يستثمر اللحظة
بالنسبة للرئيس التركي، تمثل قمة أنقرة فرصة لإعادة تثبيت مكانة بلاده داخل الغرب، وإظهار أن تركيا أصبحت طرفًا لا يمكن تجاوزه في ملفات الأمن والدفاع والطاقة والتجارة.
ويبدو أن أردوغان يحاول تحويل موقع تركيا الاستراتيجي وصعود صناعتها العسكرية إلى أوراق تفاوضية تعزز نفوذ أنقرة داخل الناتو، في وقت تحتاج فيه أوروبا إلى شركاء قادرين على سد جزء من الفراغ الذي قد يتركه تراجع الدور الأميركي.
وبين صفقات السلاح، واحتمال عودة ملف “F-35″، والمخاوف الأوروبية من روسيا، تبدو تركيا أمام فرصة لتعزيز نفوذها داخل الحلف، فيما يبقى السؤال حول قدرة الغرب على الموازنة بين المصالح الأمنية والانتقادات السياسية الموجهة لأنقرة.




