فرنسا تعيد صياغة عقيدتها العسكرية.. فهل تواجه روسيا؟

في ظل التحولات المتسارعة التي فرضتها الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، شرعت فرنسا في مراجعة شاملة لعقيدتها العسكرية، في خطوة تعكس توجهاً لإعادة صياغة أولوياتها الدفاعية وتحديث أدوات الردع والجاهزية العملياتية.
وكشف الخبير العسكري أن باريس بدأت تكييف قدراتها استناداً إلى الدروس المستخلصة من النزاعات الجارية، مع التركيز على احتمالات التصعيد على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي، وهو ما انعكس على خيارات التسليح والاستعداد لطرح مشروع قانون جديد للإنفاق العسكري خلال الشهر الجاري.
وتأتي هذه المراجعة في وقت أظهرت فيه الحروب الحديثة تصاعداً لافتاً في استخدام الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، الأمر الذي فرض تحديات متزايدة على أنظمة الدفاع التقليدية، خاصة مع ارتفاع كلفة اعتراضها بواسطة الصواريخ الباهظة. ودفعت هذه المعادلة باريس إلى البحث عن حلول أكثر مرونة، تشمل مروحيات خفيفة، وصواريخ موجهة، ومسيرات اعتراضية مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتشير الخطط الدفاعية الفرنسية إلى استمرار التركيز على التفوق الجوي باعتباره ركيزة رئيسة في العمليات بعيدة المدى وتأمين مسارح القتال، إلى جانب تخصيص نحو 8.5 مليار يورو لتعزيز مخزون الذخائر بحلول عام 2030، بالتوازي مع تطوير أنظمة صاروخية متقدمة وبرامج لطائرات قتالية مسيّرة تعمل بالتكامل مع المقاتلات المأهولة.
في المقابل، قللت موسكو من دلالات هذه التحركات، إذ أكد مصدر روسي مطلع أن الحديث عن نيات روسية لمهاجمة أوروبا يندرج ضمن خطاب سياسي مبالغ فيه، مشيراً إلى أن إعادة صياغة العقيدة الفرنسية لا تعني بالضرورة وجود توجه نحو مواجهة مباشرة في المرحلة الحالية.
ويرى محلل في الشؤون الاستراتيجية أن التحول الفرنسي يرتبط أساساً بتغيرات البيئة الدولية والضغوط المتزايدة على المنظومة الأوروبية، خاصة مع تذبذب الموقف الأمريكي من حلف الناتو، ما يدفع باريس إلى تعزيز استقلال قرارها الدفاعي وطرح أفكار مرتبطة بمظلة ردع أوروبية أوسع.
كما يندرج الغموض المتعمد في الصياغات النووية والعسكرية ضمن منطق الردع لدى القوى الكبرى، إذ تعتمد باريس، على غرار موسكو، على تعريفات واسعة وغير حاسمة للمصالح الحيوية والتهديدات، بهدف منع الخصوم من اختبار حدود القوة.
ويجمع مراقبون على أن التحركات الفرنسية لا تعكس اتجاهاً فورياً نحو صدام مع روسيا، بقدر ما تمثل محاولة لسد الثغرات العسكرية واللوجستية، والحفاظ على توازن دقيق بين الضغوط الأمريكية والتحديات الروسية، في مشهد أوروبي يزداد تعقيداً مع استمرار الحرب في أوكرانيا.




