أوروبا بين المطرقة والسندان: كيف يحاول ترامب فرض شروطه؟
خاص – نبض الشام
في مشهد سياسي واقتصادي شديد التعقيد، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه عالقاً بين ضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يسعى إلى فرض شروطه عبر ورقة الصين، وبين حاجته للحفاظ على جبهة موحدة ضد روسيا. ابتزاز ترامب المشروط بوقف واردات النفط الروسي وفرض رسوم ضخمة على الصين يهدد بانقسامات عميقة داخل أوروبا. هذه المواجهة تنذر بإعادة رسم العلاقات عبر الأطلسي وتبدل موازين القوة بين واشنطن وبروكسل.
لعبة معقدة عبر الأطلسي
يرى خبراء أن المساومة التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الاتحاد الأوروبي تكشف عن لعبة سياسية واقتصادية متشابكة قد تعيد تشكيل العلاقات عبر الأطلسي. فترامب يشترط وقف استيراد النفط الروسي وفرض رسوم جمركية قاسية على الصين مقابل التعاون في الضغط على موسكو، ليضع أوروبا أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على وحدتها في مواجهة روسيا وخشية انهيار اقتصادها المعتمد على التجارة مع بكين.
ورقة الصين في يد ترامب
يؤكد المستشار الفرنسي البارز في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية دومينيك مويزي، أن ترامب يستخدم الورقة الصينية أكثر من رغبته الفعلية في مواجهة روسيا، معتبراً أن الرئيس الأمريكي بارع في تحويل أزمات الآخرين إلى أدوات تفاوضية تخدم مصالح الولايات المتحدة. ويضيف أن ترامب يرى الصين الخطر الأكبر وليس روسيا، ويحاول جرّ أوروبا إلى صراع تجاري يحقق مكاسب اقتصادية لبلاده.
مصالح أوروبا المهددة
بدورها، توضح الباحثة الفرنسية فرانسواز نيكولا أن موقف ترامب من الصين يتعارض مع مصالح أوروبا، مشيرةً إلى أن الصين تمثل 21% من واردات الاتحاد الأوروبي، وأن فرض رسوم بنسبة 100% سيشكل انتحاراً اقتصادياً لدول مثل ألمانيا. أوروبا تحاول التوفيق بين مواجهة روسيا والحفاظ على علاقاتها مع بكين، لكن ضغوط ترامب قد تفجر الانقسامات داخل الاتحاد.
شروط أمريكية قاسية
أعلن ترامب استعداده للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في تشديد العقوبات على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لكن بشرط وقف واردات النفط الروسي وفرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على الصين. في المقابل، يعتزم الاتحاد الأوروبي طرح عقوبات جديدة تستهدف شركات صينية متهمة بدعم آلة الحرب الروسية، لكن هذه الخطوة أقل بكثير من مطالب ترامب، الذي أظهر في تجارب سابقة أنه لا يرضى بسهولة.
فخ ترامب للأوروبيين
تعتقد أوساط دبلوماسية أوروبية أن ترامب ينصب فخاً للأوروبيين بشروطه غير القابلة للتنفيذ، في محاولة لعرقلة التحرك ضد روسيا وإلقاء اللوم على بروكسل. أحد مسؤولي الاتحاد الأوروبي أشار إلى أن جزءاً من رسائل ترامب منطقي، بينما الجزء الآخر مجرد ذريعة للتقاعس عن اتخاذ أي إجراء فعلي.
تحفظ أوروبي وانقسامات داخلية
ورغم توافق مجموعة السبع على ضرورة الضغط على روسيا ودعم أوكرانيا، أبدت أوروبا تحفظاً تجاه مطالب ترامب بفرض رسوم شاملة على الصين، مفضلةً عقوبات دقيقة تستهدف الشركات بدل الرسوم الجمركية الشاملة. فهذه الرسوم قد تؤدي إلى تضخم هائل في القارة، بينما يستفيد الاقتصاد الأمريكي من زيادة صادرات الغاز الطبيعي المسال.
أوروبا بين الحذر والتشدد
تشير المفوضية الأوروبية إلى أنها تعمل منذ سنوات على تقليل الاعتماد على الطاقة الروسية، لكن كثيراً من المسؤولين يرون أن وقف التجارة مع الصين والهند مستحيل. وتظهر الانقسامات داخل الاتحاد في الموقف من بكين: ألمانيا تدعو للحذر بسبب اعتمادها الكبير على السوق الصينية، بينما تضغط دول مثل بولندا والدنمارك لاعتماد نهج أكثر صرامة.
عقوبات دقيقة بلا نهاية
في النهاية، تميل بروكسل نحو فرض عقوبات أكثر دقة على شركات صينية تزود روسيا بتكنولوجيا عسكرية، رغم إدراكها أن هذه الشركات تعاود الظهور تحت أسماء جديدة، ما يجعل هذه المواجهة أشبه بمعركة بلا نهاية.
تجد أوروبا نفسها أمام اختبار تاريخي بين الاستجابة لضغوط ترامب والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية مع الصين، في وقت يسعى فيه الرئيس الأمريكي إلى توظيف الأزمات لتحقيق مكاسب اقتصادية وجيوسياسية. ومع استمرار الانقسامات الأوروبية وصعوبة تنفيذ الشروط الأمريكية، يبقى مستقبل العلاقة عبر الأطلسي مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، قد تحددها نتائج هذه اللعبة الشائكة بين واشنطن وبروكسل.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




