بعد 33 عاماً على أوسلو.. إلى أين وصل الفلسطينيون؟

بعد 33 عاماً على توقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، لا يزال الفلسطينيون أمام أزمة سياسية تتعلق بجدوى المسارات التي اتُّبعت خلال العقود الماضية، في ظل عدم الوصول إلى دولة فلسطينية مستقلة، واستمرار الانقسام السياسي بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس.
وبدأ مسار التسوية السياسية مع اتفاق أوسلو على أساس إقامة حكم ذاتي فلسطيني تمهيداً لمسار يقود إلى تسوية نهائية، إلا أن هذا المسار لم ينتهِ إلى قيام الدولة الفلسطينية.
وفي المقابل، تبنت حركة حماس وفصائل فلسطينية أخرى خيار العمل المسلح ورفضت المسار السياسي الذي تبنته منظمة التحرير، لكن هذا الخيار واجه بدوره انتقادات متزايدة على خلفية الخسائر البشرية والدمار والأزمات التي شهدها قطاع غزة، ولا سيما خلال الحرب الأخيرة.
ويرى منتقدو اتفاق أوسلو أن إسرائيل أفرغت الاتفاق من مضمونه وحولته إلى إطار لإدارة الصراع مع استمرار توسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية. في المقابل، يرى تيار سياسي فلسطيني أن الاتفاق كان مرحلة ضمن مشروع وطني أوسع، وأن تقييم نتائجه يتطلب النظر أيضاً إلى طريقة إدارة القيادة الفلسطينية له والإجراءات الإسرائيلية التي أثرت في تطبيق بنوده.
أما خيار العمل المسلح، فيخضع بدوره لمراجعة في ظل ارتفاع كلفته الإنسانية والاقتصادية والعسكرية، وتراجع القدرة على تحويل المواجهة المسلحة إلى نتائج سياسية واضحة.
مسار أوسلو تحت المراجعة
يرى منتقدو أوسلو أن الاتفاق استُخدم خلال السنوات الماضية بطريقة عززت واقع الانقسام والسيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، بدلاً من أن يقود إلى تسوية نهائية.
ويشير هذا الطرح إلى أن استمرار السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، إلى جانب الإجراءات المرتبطة بالمستوطنات والحدود والأمن، حدّ من قدرة الاتفاق على الوصول إلى أهدافه المعلنة.
كما يُطرح الفصل السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة باعتباره أحد أبرز النتائج التي رافقت تعثر العملية السياسية، فيما بقيت قضايا الحل النهائي، وفي مقدمتها الحدود والقدس واللاجئون والمستوطنات، من دون تسوية.
في المقابل، يرى مؤيدو استمرار العمل ضمن الإطار السياسي لمنظمة التحرير أن اختزال التجربة الفلسطينية في اتفاق أوسلو لا يعكس كامل المشروع الوطني، وأن الاتفاق كان إحدى المراحل التي ارتبطت بظروف إقليمية ودولية مختلفة.
ويشير هذا الطرح إلى أن تقييم تجربة أوسلو ينبغي ألا يقتصر على نص الاتفاق، بل يشمل أيضاً طريقة تنفيذ بنوده من الجانبين، والسياسات التي اتبعت خلال السنوات اللاحقة، وصولاً إلى انهيار أجزاء واسعة من المسار السياسي.
المقاومة المسلحة أمام أسئلة جديدة
في الجانب الآخر، تواجه استراتيجية العمل المسلح مراجعة متزايدة، خصوصاً بعد حجم الدمار والخسائر البشرية التي لحقت بقطاع غزة خلال الحرب الأخيرة.
ويطرح منتقدو هذا المسار تساؤلات حول قدرته على تحقيق مكاسب سياسية تتناسب مع حجم المواجهة العسكرية، في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي والدعم الأمريكي لإسرائيل، وما نتج عن الحرب من دمار واسع ونزوح وأزمة إنسانية واقتصادية.
ويرى هذا الاتجاه أن النتائج السياسية التي تحققت حتى الآن لا تعكس، من وجهة نظره، مكاسب فلسطينية واضحة، بل ارتبطت بتفاقم الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وعودة الحديث عن السيطرة العسكرية الإسرائيلية ومخاطر التهجير والضم.
في المقابل، يؤكد مؤيدو المقاومة أن تقييمها لا يمكن فصله عن الصراع المستمر منذ عقود، وأن استمرار الاحتلال وغياب التسوية السياسية يشكلان عوامل أساسية في استمرار المواجهة.
وبين الموقفين، تبرز مسألة النتائج السياسية باعتبارها محوراً رئيسياً في النقاش حول جدوى الخيارات المختلفة، بعيداً عن الخلاف حول مبدأ المقاومة أو حق الفلسطينيين في المطالبة بحقوقهم الوطنية.
أزمة القيادة والانقسام
ولا تقتصر المراجعة على الأدوات السياسية والعسكرية، إذ تمتد إلى بنية النظام السياسي الفلسطيني نفسه، في ظل استمرار الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة وغياب عملية انتخابية شاملة منذ سنوات.
ويرى داعمو إعادة بناء النظام السياسي أن المرحلة الحالية تتطلب مراجعة السياسات والأدوات التي استخدمت خلال العقود الماضية، إلى جانب فتح المجال أمام قوى سياسية وشبابية جديدة للمشاركة في صياغة المرحلة المقبلة.
كما تبرز الدعوات إلى إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أساس التمثيل والانتخاب، باعتبار ذلك مدخلاً لإعادة ترتيب العلاقة بين القوى السياسية وتحديد الأولويات الوطنية.
ويطرح هذا الاتجاه فكرة إعادة توحيد القيادة الفلسطينية باعتبارها خطوة أساسية في التعامل مع الملفات السياسية، سواء عبر المفاوضات أو الوسائل الأخرى، وبما يسمح بإنتاج موقف فلسطيني أكثر تماسكاً.
ماذا بعد أوسلو؟
بعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق، لا يزال الخلاف قائماً حول المسؤولية عن تعثر مساره، بين من يحمل إسرائيل مسؤولية عدم تنفيذ استحقاقاته، ومن يرى أن القيادة الفلسطينية ساهمت أيضاً في إضعاف نتائجه من خلال طريقة إدارة الاتفاق وتطورات المرحلة اللاحقة.
وفي الوقت نفسه، لم ينجح خيار العمل المسلح، وفق منتقديه، في تحويل المواجهة العسكرية إلى مشروع سياسي يقود إلى إقامة الدولة الفلسطينية، فيما تسببت الحروب المتكررة في خسائر بشرية ومادية واسعة، خصوصاً في قطاع غزة.
وتضع هذه المعطيات الفلسطينيين أمام نقاش أوسع من المفاضلة بين التفاوض والمقاومة، يتعلق بإعادة بناء النظام السياسي وتوحيد المؤسسات والقيادة، وتحديد الأدوات القادرة على تحقيق الأهداف الوطنية في ظل استمرار الاحتلال والانقسام الداخلي.
ومع استمرار غياب التسوية النهائية، تبقى تجربة أوسلو ومسار العمل المسلح موضوعين رئيسيين في أي مراجعة مستقبلية للمشروع الوطني الفلسطيني، وسط دعوات لإعادة تقييم التجربة السياسية والأدوات المستخدمة والنتائج التي تحققت خلال العقود الماضية.




