أخبــارتقارير

حوار السودان أمام اختبار أميركي.. هل تنجح مبادرة بورتسودان؟

وضعت الولايات المتحدة شروطاً واضحة أمام أي مسار سياسي في السودان، ما حدّ من إمكانية إدارة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان حواراً سياسياً وفق رؤيته وفي المناطق الخاضعة لسيطرته، في مقابل تأكيد واشنطن ضرورة إطلاق عملية سياسية شاملة بقيادة مدنية.

وأعلن متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية استعداد واشنطن، بالتنسيق مع شركائها، لدعم «حوار سوداني حقيقي وشامل بقوة دفع مدنية»، على أن يُعقد في موقع يحظى بتوافق الأطراف المتصارعة، ويشمل القوى السياسية وملايين النازحين والمهجرين قسراً.

وتتجاوز هذه الشروط الجوانب التنظيمية، إذ تضع قيوداً على المبادرة التي طرحها البرهان لإطلاق حوار سوداني داخل البلاد.

مبادرة البرهان للحوار

كان البرهان قد أعلن في وقت سابق إطلاق حوار سوداني تتولى تنظيمه مجموعة وطنية مستقلة، مع تعهده بتوفير ضمانات أمنية وسياسية وقانونية للمشاركين، والتأكيد على عقده داخل السودان.

لكن المبادرة أثارت تحفظات لدى قوى مدنية وسياسية، خصوصاً في ظل استمرار الحرب والانقسام الميداني، إضافة إلى الملاحقات القضائية والتضييق على النشاط السياسي في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش.

ويرى مراقبون أن إصرار البرهان على عقد الحوار داخل السودان يثير تساؤلات حول مدى استقلالية العملية، خصوصاً مع استمرار انقسام البلاد بين مناطق نفوذ متعددة.

كما أن غياب بيئة سياسية وأمنية محايدة قد يحد من قدرة القوى المدنية على المشاركة بحرية، وهو ما يتقاطع مع الشروط التي طرحتها واشنطن بشأن مكان انعقاد الحوار وطبيعة الجهات المشاركة فيه.

شروط أميركية تقيد المسار

يشكل اشتراط عقد الحوار في مكان يحظى بتوافق الأطراف رفضاً ضمنياً لفكرة حصر العملية في مناطق نفوذ طرف واحد من أطراف النزاع.

كما أن التشديد على القيادة المدنية يحد من إمكانية تولي المؤسسة العسكرية دوراً مباشراً في توجيه الحوار أو تحديد المشاركين ومخرجاته.

ويضيف إدراج النازحين واللاجئين إلى قائمة المشاركين بُعداً آخر للعملية، في ظل وجود ملايين السودانيين خارج مناطقهم الأصلية أو خارج البلاد بسبب الحرب.

وتشير هذه الشروط إلى أن واشنطن تربط المسار السياسي بضرورة توفير بيئة أكثر ملاءمة للحوار، بدلاً من إطلاق عملية سياسية في ظل استمرار العمليات العسكرية والتوترات الأمنية.

كما يأتي الموقف الأميركي في وقت تطرح فيه أطراف سودانية رؤى مختلفة بشأن ترتيب الأولويات بين وقف القتال وإطلاق العملية السياسية.

خلاف حول الهدف من الحوار

وتنظر قوى مدنية وسياسية سودانية إلى مبادرة البرهان باعتبارها محاولة للحصول على شرعية سياسية أكثر من كونها مساراً مستقلاً لإنهاء الحرب، بينما يرى مؤيدو المبادرة أنها يمكن أن توفر إطاراً للحوار واستكمال مؤسسات الدولة.

وتثار أيضاً مخاوف من أن يؤدي استكمال الهياكل السياسية في مناطق سيطرة الجيش، بالتزامن مع استمرار القتال، إلى تكريس واقع الانقسام بدلاً من إنهائه.

وفي هذا السياق، تبرز تحركات لتشكيل مؤسسات تشريعية وسياسية جديدة عبر تحالفات مع قوى مدنية وأهلية وإسلامية، وسط جدل بشأن مدى تمثيلها لمختلف أطياف المجتمع السوداني.

ويحذر منتقدو هذا المسار من أن إطلاق الحوار قبل تثبيت وقف إطلاق النار قد يمنح الانقسام السياسي والعسكري غطاءً جديداً، ويعمق الفصل بين مناطق سيطرة الجيش والقوى المتحالفة معه من جهة، والقوى المناوئة له من جهة أخرى.

المسار المدني في الواجهة

ويتقاطع الموقف الأميركي مع دعوات دولية إلى أن تكون العملية السياسية السودانية بقيادة مدنية، وشاملة وشفافة، وبعيدة عن الإكراه وعن تأثير أطراف الحرب والجماعات المتطرفة، بما يقود في النهاية إلى تشكيل حكومة انتقالية مدنية.

وبذلك، تبدو واشنطن متمسكة بفصل العملية السياسية عن الهيمنة المباشرة لأي طرف عسكري، وربطها بمسار أوسع يشمل مختلف القوى السودانية المتضررة من الحرب.

وتشير هذه المقاربة إلى أن أي مسار سياسي يُنظر إليه باعتباره مصمماً وفق مصالح طرف واحد سيكون أمام صعوبات في الحصول على دعم دولي واسع.

وفي المقابل، يبقى التحدي الأساسي أمام أي مبادرة سياسية هو وقف القتال وتهيئة ظروف تسمح بمشاركة القوى المدنية والنازحين ومختلف الأطراف السودانية، بما يمنع تحول الحوار إلى أداة لإعادة إنتاج الصراع أو إطالة أمد الحكم العسكري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى